سفيرة موريتانيا في إيطاليا خديجة امبارك فال: العلاقات بين الشعبين الموريتاني والسنغالي تقوم على تاريخ مشترك

لقد أثارت التصريحات الأخيرة للسيد غاديو بشأن موريتانيا مزيدًا من علامات الاستفهام، لكونه يعرف بلادنا معرفةً دقيقة، وملم بتاريخها ومؤسساتها إلماما كبيرا. ومن هذا المنطلق، كان من المتوقع منه التحلي بقدر أكبر من التوازن والاعتدال واستشعار المسؤولية، بما ينسجم مع مسيرته وخبرته.

ومن الجدير هنا التذكير أن موريتانيا لم تدخر يومًا جهدًا في إظهار الاحترام والتقدير للسيد غاديو. فقد أقامت زوجته لسنوات عدة في موريتانيا في إطار مهامها ضمن منظومة الأمم المتحدة، وحظيت خلالها بكل أشكال الرعاية وحسن الضيافة والأخوة، ليس فقط بصفتها موظفة دولية، وإنما أيضًا باعتبارها أختًا سنغالية.

وكان من الطبيعي أن تدفع هذه المعطيات مجتمعة السيد غاديو إلى تبني رؤية أكثر موضوعية وتوازنًا في تقييمه للواقع الموريتاني، بدلًا من إطلاق مواقف متكررة تفتقر إلى روح الود، وتثير الاستغراب، ولا سيما أنها تصدر عن وزير خارجية سابق يُفترض فيه التحلي بضبط النفس واعتماد خطاب أكثر هدوءًا واتزانًا.

ومما يعمق هذا الاحساس أن الأمر لا يتعلق بحادثة معزولة. ففي الدورة الثانية للمنتدى الدولي حول السلام والأمن في إفريقيا، المنعقد في داكار، سبق للسيد غاديو أن حاول مقاطعة مداخلة الوفد الموريتاني، غير أن هذه المبادرة وُوجهت فورًا بما يقتضيه احترام القواعد المنظمة للأعراف الدبلوماسية ولسير أعمال مثل هذه اللقاءات. وقد اعتُبر ذلك التصرف آنذاك موقفًا غير ودي، بل وعدائيًا دون مبرر تجاه موريتانيا.

كما تجدر الإشارة إلى أن انخراط السيد غاديو في إدارة الأزمة السياسية الموريتانية انطلاقًا من داكار، كان يندرج أساسًا في إطار رؤية وتوجه رئيس حزب «سوبي»، الأستاذ عبد الله واد، ولم يكن مبادرة خاصة بالسيد غاديو. فالجميع يعلم أن تلك المقاربة كانت تعبيرًا عن توجه سياسي تبناه الرئيس عبد الله واد بكل وضوح، وهو الذي سيظل، فضلًا عن كونه رمزًا وأبًا لإفريقيا جنوب الصحراء، أحد أبرز الفاعلين في مجموعة الاتصال الدولية التي عملت على تشجيع التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الموريتانية، في ظل علاقات أخوية سادت بينها، مما جعل الحوار فيما بينها ميسرًا إلى حد بعيد. ومن المستغرب أن يبدو السيد غاديو اليوم مبتعدًا عن روح المسؤولية وضبط النفس التي طبعت تلك المرحلة.

وقد جاءت مداخلة سفير موريتانيا ردًا على تصريحات السيد غاديو غير الموفقة، منسجمة مع هذا النهج المسؤول، حيث استندت إلى عرض الوقائع التاريخية بكل هدوء ودقة وموضوعية. ففي العمل الدبلوماسي، لا يمكن للانطباعات أو التقديرات الشخصية أن تحل محل الحقائق التاريخية، كما لا يجوز لها أن تمس بسيادة الدول أو تشكك فيها.

إن موريتانيا دولة ذات سيادة، مستقلة، وسيدة قرارها الوطني وسياستها الخارجية، ولن تنجر إلى أي محاولة للاستفزاز أو التلاعب.

فسيادتها ليست محل جدل أو تشكيك، ولا تتوقف بأي حال من الأحوال على آراء أو تقييمات أي شخصية كانت.

إن العلاقات بين الشعبين الموريتاني والسنغالي تقوم على تاريخ مشترك، أرسى دعائمه الآباء المؤسسون على أساس روابط إنسانية عميقة ومصالح مشتركة. ومن ثم، فإن هذه العلاقات جديرة بأن تُصان من كل أشكال الجدل العقيم، وأن يُغلَّب فيها، في جميع الأحوال، منطق الاحترام المتبادل، وروح المسؤولية، والالتزام بأحكام القانون الدولي.

خديجة امبارك فال

سفيرة الجمهورية الإسلامية الموريتانية لدى

الجمهورية الإيطالية

30 July 2026