الذكاء الاصطناعي وخطر البرمجة الذهنية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية محضة، ولا مجرد تطور طبيعي في أدوات العصر، بل غدا سؤالًا فلسفيًا وأخلاقيًا يمسّ جوهر الإنسان: وعيه، وحريته، وقدرته على التفكير المستقل. فخلف الواجهة البراقة للسرعة والدقة والكفاءة، يتسلل خطر أكثر هدوءًا وأشد عمقًا، يتمثل في إعادة تشكيل العقل الإنساني على نحو غير معلن، فيما يمكن تسميته بالبرمجة الذهنية الناعمة.

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس ما يفعله بنا مباشرة، بل ما يجعلنا نعتاده دون مساءلة. فالعقل، حين يُغذّى باستمرار بأنماط جاهزة من الأفكار، والتحليلات، والتعبيرات، يفقد تدريجيًا حسّه النقدي، وتضعف لديه القدرة على الاختلاف، بل حتى على الدهشة. وهنا لا تُسلب حرية الإنسان قسرًا، بل تُستبدل بهدوء براحة فكرية زائفة.

لقد بدأت تتشابه النصوص، وتتقارب المقالات، وتبدو الكتابة – على اختلاف أصحابها – وكأنها صادرة من قالب واحد. لغة مصقولة، أفكار مرتبة، لكنها بلا توتر داخلي، بلا قلق، بلا روح. كأننا أمام ظلٍ للمعنى لا المعنى ذاته. وهذا أخطر مؤشرات البرمجة الذهنية: حين يصبح التعبير متقنًا لكنه فارغ، جميلًا لكنه ميت.

فالكتابة الحقيقية ليست نقل معلومات، بل أثر إنساني، وموقف، وارتباك أحيانًا. هي نتاج تجربة، ووجع، وسؤال مفتوح. أما حين تُختزل في صيغ متشابهة وتراكيب متوقعة، فإنها تتحول إلى ممارسة آلية، حتى وإن حملت توقيع إنسان. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل معيارًا خفيًا لما “يُفترض” أن يكون عليه الفكر والأسلوب.

المفارقة أن الخطر لا يكمن فقط في هيمنة الآلة، بل في استسلام الإنسان لها طوعًا. حين يفضّل الجاهز على المتعب، والسريع على العميق، والمألوف على المقلق. عندها لا نكون ضحايا التقنية، بل شركاء في تفريغ الفكر من معناه.

إن مقاومة هذا المسار لا تكون برفض الذكاء الاصطناعي، ولا بتقديس الكتابة التقليدية، بل بإعادة الاعتبار للوعي، وللصوت الفردي، وللاختلاف بوصفه قيمة. مقاومة البرمجة الذهنية تبدأ حين نكتب لأن لدينا ما نقوله، لا لأن علينا أن نملأ فراغًا، وحين نفكر ببطء في عالم يفرض علينا السرعة.

فالذكاء الاصطناعي قد يُنتج نصوصًا متقنة، لكنه لا يعرف القلق الوجودي، ولا الشك، ولا الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية. وهذه بالضبط هي المساحة التي يجب أن يدافع عنها الإنسان، قبل أن يجد نفسه محاطًا بنصوص كثيرة… كلها صحيحة، لكنها بلا روح.

 

بقلم: العمدة /المختار عبدالله"خطري"

2 February 2026