الرئيس ولد الغزواني في مهرجان أكجوجت: الشباب ثروة البلاد الحقيقية والعمل أساس بناء التنمية

أكد فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أن الشباب يمثل الثروة الحقيقية للبلاد، وأن عليه تقع مسؤولية تحويل الإمكانات والمقدرات الوطنية إلى ثروة حقيقية تتجسد في التنمية والرقي والازدهار.

وقال فخامته، خلال المهرجان المنظم بمدينة أكجوجت، في إطار زيارة العمل والاطلاع التي يؤديها لولاية إينشيري، إن الطريق الأساسي لتحقيق التحول المجتمعي يبدأ بـ”العمل، ثم العمل، ثم العمل”، باعتباره ركيزة أساسية لإنتاج الثروة، وبناء التنمية، وتحقيق التقدم والازدهار.

وشدد فخامة رئيس الجمهورية على ضرورة أن يحتل العمل مكانة مركزية في منظومة القيم المجتمعية، وأن يتجسد ذلك في الوعي والسلوك والممارسات اليومية، بحيث يصبح أساسا تنتظم حوله مختلف القيم والعلاقات الاجتماعية.

ودعا الشباب إلى التركيز على ثلاث ركائز أساسية تشكل الطريق إلى المستقبل، وهي: التعلم، والتكوين، والعمل.

وفيما يلي خطاب فخامة رئيس الجمهورية في مهرجان أكجوجت:

“بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سكان ولاية إنشيري العزيزة؛

شكرا لكم سكان مدينة أكجوجت وولاية إنشيري عمومًا، على حشدكم الرائع والمتنوع هذا، وعلى حسن استقبالكم.

وإنني لمسرور، غاية، بلقائكم ومقدر لما ينطوي عليه حضوركم المكثف، من اهتمام بالشأن العام الوطني عموما، وحرص على المشاركة والمساهمة الفعالة في تنفيذ برنامجنا ومشروعنا المجتمعي.

مشروعنا المجتمعي، هذا، يهدف في المجمل إلى:

– إقامة دولة قانون مستقرة وآمنة وقوية المؤسسات؛

– دولة يتمتع المواطنون فيها بالمساواة في الكرامة والحقوق والواجبات في جو من الحرية والعدل والإنصاف؛

– دولة تهيؤ للمواطن، أينما كان، شروط تحقيق طموحاته في التقدم والنماء.

وإن متابعة تحقيق مثل هذه الأهداف لا تنحصر في رصد المؤشرات الكبرى فحسب، بل تتطلب كذلك، وبالضرورة، متابعة انعكاسات الجهود المبذولة على حياة المواطن في عموم الوطن ولاية ولاية، ومقاطعة مقاطعة.

وهذا هو الإطار العام لزيارتنا لهذه المحطة المهمة. فنحن من جهة نود إطلاعكم والتداول معكم بخصوص الوضع العام للبلد؛ ومن جهة أخرى نريد الاطلاع منكم على أوضاعكم المحلية، لنقيّم معا التحديات والإنجازات والصعوبات والنواقص والآفاق.

سكان ولاية إنشيري،

إن الوضع العام للبلد، كما قلت قبل أيام في مدينة أطار، وكما هو معلوم، وضع جيد بحول الله وقوته: أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وذلك على الرغم من الوضع الإقليمي والدولي المتأزّم.

فعالمنا اليوم يشهد أزمات أمنية حادة، وتحولات اقتصادية وبيئية متسارعة، يواكبها تراجع ملحوظ في التعاون المتعدد الأطراف، وصعوبة متزايدة في اضطلاع المنظمات الدولية بالمهام المنوطة بها أصلا.

وفي مثل هذه الأوضاع تكون قدرة الدول على الصمود والتكيف وتجنب الأزمات متوقفة في جزء معتبر منها على تسييرها لعلاقاتها الخارجية بحكمة وتعزيز مكانتها وتوطيد الثقة بها إقليميا ودوليا.

ولا يخفى على أحد أن علاقات بلدنا ممتازة مع أشقائه وجيرانه وشركائه ومكانته محفوظة وجهوده مقدرة على المستوى الإقليمي والدولي.

وشواهد ذلك كثيرة، منها:

– حمل لواء الدفاع عن قضايا القارة بحيازة بلادنا رئاسة الاتحاد الإفريقي برسم سنة 2024،

– حيازة رئاسة البنك الإفريقي للتنمية؛

– حيازة الأمانة العامة منظمة الدول الإسلامية وبالإجماع،

– الحضور القوي لأطرنا في المنظمات الدولية والقارية؛

– حجم وتنوع الاستثمارات التي يستفيد منها البلد والتي تعكس ثقة الشركاء به؛

ومن أبرز عوامل هذا النجاح قيام سياستنا الخارجية على مبادئ حسن الجوار والصداقة والأخوة والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة والتعاون المثمر والبناء دون المساومة على مواقفنا الثابتة من القضايا الإسلامية والعربية والإفريقية والقضايا العادلة عموما خاصة القضية الفلسطينية.

إنني بهذا التشخيص الإيجابي العام لا أريد منه التغطية على الصعوبات والمشاكل والتحديات ذات الأبعاد المتنوعة، التي تواجه بلدنا.

أنا مدرك أتم الإدراك لحجمها لكنني في الوقت ذاته على ثقة أن بوسعنا أن نتجاوز هذه الصعوبات والتحديات مع الحد الأدنى الممكن من الأضرار، إذا ما أحسنا استغلال إمكاناتنا الهائلة.

وأود هنا أن أقف معكم قليلا عند مسألة الإمكانات والمقدرات وثراء الدول ودلالات ذلك موضوعيا.

إن الراسخ في الأذهان، غالبا، هو أن موريتانيا بلد غني، مساحته شاسعة، عدد سكانه قليل، باطن أرضه سخي، وخصوبته بمحاذاة النهر جيدة، وبحره زاخر بالثروة.

قد يبدو هذا الحكم بحسب الظاهر صحيحا ومقنعا، لكنه في الواقع يخلط بين أمرين متباينين تماما، بين الثراء بالقوة والثراء بالفعل، أي بين الإمكانات والمقدرات التي يمكن أن يصير البلد بها ثريًا وبين تحويل هذه الإمكانات والمقدرات إلى ثراء فعلي، يلمسه المواطن في مستوى المعيشة وجودة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وفي تحسن مستوى الرقي والازدهار بالبلد عموما.

وإحراز هذا التحول هو الركيزة الأساسية لبرنامجنا “طموحي للوطن”، وهو يقتضي قيام مجموعة من الشروط من أبرزها: بيئة آمنة ومستقرة، بنى تحتية متطورة، ورأس مال بشري عالي التكوين والمهارة، وتعبئة موارد مالية كبيرة وما يستوجبه ذلك من تنويع الشراكات.

وقد حققنا على طريق إحراز هذه الشروط نتائج معتبرة.

على مستوى:

* البيئة الآمنة والمستقرة:

– أمنيا: بتنفيذ استراتيجيتنا الأمنية المندمجة،

– سياسيا بتهدئة الساحة السياسية، الانفتاح على كل الفرقاء، ترسيخ ثقافة الحوار والتشاور…

– اجتماعيا: بتعزيز اللُّحمة الوطنية، مكافحة الفقر والهشاشة والغبن والإقصاء وتصحيح ميزان العدالة الاجتماعية تدريجيا؛

* البنى التحتية الداعة للنمو:

– في مجال الطاقة ضاعفنا القدرة الإنتاجية مع تنويع المصادر ووسعنا وعززنا شبكة نقل الكهرباء، وسيدخل حيز التشغيل خط النقل العالي الجهد الرابط بين نواكشوط – أكجوجت – أطار – ازويرات هذا الأسبوع؛

– ونفس الجهد الذي بذل على مستوى البنى التحتية بذل نظيره على مستوى البنى التحتية الطرقية حيث أعيد بناء جل الطرق التي كانت قائمة، واستحدث الكثير من الطرق الجديدة لفك العزلة عن مناطق الإنتاج والعديد من المدن والقرى. كما يجري العمل على إعادة تأهيل وتوسيع العديد من الموانئ وبناء ميناء في المياه العميقة بنواذيبو.

هذا علاوة على ما تم إنجازه على مستوى البنى الرقمية والخدمات الأساسية.

أما فيما يخص تكوين رأس مال بشري عالي التكوين والمهارة فيمكن أن نذكر كل ما تم تحقيقه على مستوى التعليم الأساسي والثانوي والتعلّيم العالي والتكوين المهني من إطلاق المدرسة الجمهورية والتوسع في البنى التحتية ومضاعفة القدرة الاستيعابية وتنويع الشعب والتخصصات ومواءمتها مع الحاجات التنموية للبلد.

أما بخصوص تعبئة الموارد المالية، فقد عملنا على تحفيز الاستثمار وطنيا كان أو أجنبيا، ومراجعة مدونة الصفقات العمومية ترسيخًا للحكامة الرشيدة، كما تمت مراجعة مدونة الاستثمار تأمينا للاستثمارات وتحفيزا للمستثمر وتوطيدا لثقته، وعملنا على ترقية القطاع الخاص وتوطيد شراكته مع القطاع العام.

إن هذه الإنجازات بالغة الأهمية للوطن عموما ولولايتكم على وجه الخصوص، فولايتكم ولاية تعدين، تُستغل ثرواتها المنجمية منذ عقود، وتشكل إحدى دعائم قطاعنا التعديني الذي يمثل اليوم نحو 17 بالمئة من ناتجنا المحلي الإجمالي.

وأريد هنا أن أحدثكم قليلا عن ملف حساس بالنسبة لكم: ملف منجم أكجوجت. إنه المنجم الوحيد النشط اليوم في ولايتكم. كانت احتياطاته على وشك الانتهاء، وكان إغلاقه يهدد بفقدان أكثر من ألف منصب شغل.

وسعيا منها على حفظ مناصب الشغل التي يوفرها المنجم وعلى استمرار مساهمته في تنمية المدينة والولاية عموما، حرصت الدولة على أن لا يُغلق المنجم أبوابه، ففاوضت المشغّل بحزم ومسؤولية، ووقّعت معه اتفاقية جديدة على أسس أكثر توازنا.

كما استدعت كل أصحاب رخص الاستكشاف والاستغلال وألزمتهم بضرورة الإسراع في تنفيذ بنود دفاتر الالتزامات. وقد أصدرنا للحكومة تعليماتنا بمواكبتهم ومتابعة وتقييم التقدم في هذا المجال بنحو منتظم، والأمل كبير في أن نرى قريبا افتتاح مناجم جديدة في الولاية.

أنا مدرك تماما أنه علاوة على التحديات المنجمية، تواجه ولايتكم شحا كبيرا في المياه الصالحة للشرب، وقد وجهت الحكومة بإطلاق دراسة لتزويد مدينتكم بالمياه من بنشاب والإسراع في تنفيذ ذلك مهما تكن التكلفة.

وعلى كل حال، سنخصص اللقاءات التي سنعقدها في كل مقاطعة لتدارس قضايا التنمية المحلية من حيث المنجز والتحديات والآفاق.

ولا أريد أن أختم الكلام دون التوجه إلى شباب الولاية وشباب الوطن عموما؛

أيها الشباب: أنتم الثروة الحقيقية لهذا البلد. وعليكم المعول فيما أشرنا إليه في البداية من تحويل ما تتيحه المقدرات من إمكان بناء الثروة وتحويلها إلى ثروة حقيقية تتجسّد تنمية ورقيا وازدهارا.

وسبيلكم الأول والأساس إلى تحقيق هذا التحول هو العمل ثم العمل ثم العمل.

فالعمل عامل أساس في إنتاج الثروة وبناء التنمية وتحقيق التقدم والازدهار، كما هو رافعة للترقية الاجتماعية وضابط للحركية الاجتماعية.

فلا بد إذن أن يصير العمل في وجداننا جميعا، في سلوكياتنا، القيمة المركزية التي تتمفصل بحسبها مختلف القيم الاجتماعية الأخرى.

وإن تصدّر العمل منظومة القيم لا يجعل منه عامل تحول إنمائي واقتصادي فحسب، بل يجعل منه كذلك عامل تحول مجتمعي فعال التأثير على العقليات والمسلكيات وتصحيح التراتبيات الوهمية التي أعاقت لعقود تقدم مجتمعنا.

فعليكم إذن بالتعلم والتكوين والعمل.

أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.”

جرت فعاليات المهرجان بحضور والي إينشيري، السيد مولاي ادريس ولد الساس ولد اكيك، والوفد المرافق لفخامة رئيس الجمهورية، ورئيس جهة إينشيري، السيد الشيخ ماء العينين اعبيدي الغرابي، وحاكم مقاطعة أكجوجت،وعمدة بلديتها، والنائب البرلماني عن المقاطعة، والسلطات الإدارية والمنتخبين المحليين في الولاية.

25 September 2026