موريتانيا: هل سيكون الحوار المرتقب سياسيا أم اجتماعيا ؟ أم أنه مجرد كرة ثلج سترمى لتشكل الخارطة السياسية من جديد ؟

لقد شكلت التسريبات التي تحدثت عنها بعض وسائل الإعلام المستقلة بموريتانيا منذ أسابيع مادة دسمة حول فكرة اقتراب وجود حوار بين فرقاء المشهد الوطني على المدى القريب، وهو ما حرك الساحة الوطنية وبدأت أطرافها تستعد لهذ الحدث الوطني الأول من نوعه ، جدية وأهمية لدى جميع الفرقاء الوطنيين منذ وصول رئيس الجمهورية السيد : محمد ولد الشيخ الغزواني للسلطة ، لكن غموض تلك المعلومات التي سربت ما تزال تقف عائقا في وجه ابراز طبيعة الحوار المرتقب …

إعداد: جريدة المحقق.
حوار ظل حاضرا بقوة ..
إن المتتع للمسار السياسي الموريتاني الحديث منذ أربعينيات القرن الماضي سيجد أن الحوار بين أطراف المشهد الموريتاني ما قبل ميلاد الدولة إلى اليوم ظل حاضرا بقوة في مجريات الأحداث السياسية باختلاف ظروفها وسياقاتها من جهة ، ولتطور ماكنة التغييرات الجذرية التي يشهدها المجتمع من جهة أخرى ، الأمر الذي ظل يشكل حافزا مهما لوجود حوارات بين الفرقاء باختلاف أولوياتهم المرحلية وطبيعة الحكم القائم ومدى علاقته بالواقع السياسي وهي سياقات ظلت كفيلة بفرض ميكانيزمات ” أي حوار سيجري بين أطراف المشهد الوطني لأنها وحدها من تحدد مدى جديته وانعكاسه على إنهاء بعض الإشكالات القائمة . خصوصا في هذه الظرفية بالذات من عمر الدولة الموريتانية وما تشهده من حيثيات تكاد تكون طبعت المشهد في كل تفاصيله وربما طبيعة الحوار القادم قد تحدد ملامح خارطة الطريق المشتركة بين الفرقاء في المستقبل خصوصا بالإجابة على السؤال الجوهري المطروح بقوة هل موريتانيا مقبلة على حوار سياسي أم اجتماعي وماهي مقومات ذلك ؟

رئيس لا يرى ضرورة لحوار سياسي … وأحزاب تتمايز لتوحيد موقفها ..
إن تسريب بعض الجهات المطلعة على ملف الحوار المرتقب لمعلومات للصحافة الوطنية منذ أسابيع إزاء التحضير لإطلاق حوار بالبلاد لم تتضح بعد ملامحه وبإشراف من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ” الحزب الحاكم ” حرك مياه كثيرة في المشهد الوطني خصوصا بين الفرقاء السياسيين فبدأوا يعدون العدة من أجل التموقع في الساحة ولفرض رؤاهم وتصوراتهم استعدادا لإشراكهم بقوة في حدث بهذه الحجم وفي ظل نجاح رئيس الجمهورية لتخليق المشهد السياسي وبهدنة سياسية بين النظام والمعارضة لم يحظى بها أي نظام طيلة مسار الجمهورية إلى اليوم ،وهي ربما الظروف السياسية التي جعلت حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية ( تواصل ) إلى أخذ مبادرته بدعوة رئيسه السيد : محمد محمود ولد سيدي
دعوته الملحة لإجراء حوار سياسي بين نظام الرئيس الغزواني وجميع أطياف المشهد السياسي، للخروج برؤية وطنية تحل المشاكل الموريتانية العالقة منذ عقود والتي لم تجد، لحد الآن، الإطار المناسب لحلها وفق تعبيره في الوثيقة التي سلمها خلال لقاءاته مع قادة سياسيين وحقوقيين . .
من أبرزهم : سيدي محمد ولد الطالب أعمر رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، والسيد : بيرام ولد الداه أعبيدي رئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية ، والشيخ سيد أحمد ولد باب مين الوزير والسفير السابق والرئيس السابق للجنة المستقلة للانتخابات ، ود . عبد السلام ولد حرمة رئيس حزب الصواب ، ومسعود ولد بلخير رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي ، وأحمد ولد داداه رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية ، وصمبا اتيام رئيس حزب القوى التقدمية للتغيير .
وهو الموقف الذي جاءت بعده بأيام دعوة رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي السيد : مسعود بلخير لرؤساء أحزاب سياسية من أبرزها رؤساء حزب تكتل القوى الديمقراطية، واتحاد قوى التقدم، والتجمع الوطني للإصلاح والتنمية، والصواب، والحركة من أجل إعادة التأسيس، وإيناد ، والحرية والعدالة والمساواة، والرباط الوطني وذلك لحضور نقاش مستجدات الساحة والموقف الموحد من ما يجري التحضير له بخصوص الحوار المرتقب وهو اللقاء الذي أثار أكثر من نقاط استفهام حول مستقبل العلاقة بين حزب التحالف الشعبي التقدمي ونظام ولد الغزواني الذي لا يزال داعما له إلى الآن خصوصا أن الاجتماع الذي عقده ولد بلخير بمنزله طبعته السرية التامة وحضرته أحزاب رغم انفتاح النظام عليها لما تعلن حتى الآن موقفا واضحا من النظام وهو ما يعني بأن هناك حراك غير مسبوق للأحزاب السياسية _ محسوبة على المعارضة _ في البلاد تسعى لأن يكون الحوار سياسيا بالمقام الأول وهو ما يرى كثيرون بأنه لا ينسجم مع تطلعات الشعب الذي بات يريد أن يبقى الحوار اجتماعيا لحلحلة القضايا التراكمية منذ تأسيس الدولة إلى اليوم بدلا من مساعي الساسة إلى تحقيق مكتسبات سياسية على حساب القضايا الاجتماعية الجوهرية .
وهو الرأي الذي يعزز التصريحات السابقة لرئيس الجمهورية السيد : محمد ولد الشيخ الغزواني السابقة مع صحيفة ” لموند ” في ديسمبر من سنة 2019 ردا على مطالب المعارضة إذ قال رئيس الجمهورية ” هذا مطلب كان موجوداً قبل وبعد انتخابي ، ” مضيفا ” « نحن نتحدث ونلتقي ويمكنهم تقديم مقترحات لكننا لسنا في وضعية تحتاج حواراً شاملا لأن ذلك يوحي بأن المناخ السياسي متوتر، وهو مخالف للواقع ” معتبرا أنه على المعارضة أن تفهم أن المناخ أكثر قابلية للتشاور .
فهل ستكون هذه الأرضية مشتركة بين فرقاء المشهد والنظام الحالي نحو حوار اجتماعي ينهي إشكالات اجتماعية تراكمية أم أن مساعي البحث عن التموقع السياسي في المشهد ستقضي على إرادة الحوار أم ستقوده إلى حوار سياسي بالدرجة الأولى كما يتساءل البعض ؟

الحزب الحاكم ينفي ، وأغلبية صامتة فمالذي يجري ؟
لقد أثار نفي الناطق الرسمي باسم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ( الحزب الحاكم ) الدكتور : سيد أعمر ولد شيخنا في تدونة قال فيها ” لقد تم تداول بعض الأخبار التي تقول إن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، تحدث عن قرار بإجراء “حوار اجتماعي” في البلد وإننا في الحزب إذ نؤكد على عدم صحة هذه الأخبار، من أننا لم نتناول قضية كهذه ”
نفي جاء بعد أيام من تداول أخبار الحوار المرتقب والدور الذي سيلعبه الحزب في هذ الموضوع وهو ما أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية والتحليلية نتيجة تأخر الحزب في الرد على المعلومات المسربة ، في ظل تسارع ماكنة التحركات لدى الأحزاب المعارضة نحو ترتيب بيتها الداخلي استعدادا لماهو قادم من أجل فرض تصوراتها وأهدافها سواء كان الحوار سياسيا أو اجتماعيا وإن كانت كما يرى بعض المتابعين بدأت في تسييسه إعلاميا في ظل صمت أحزاب الأغلبية إعلاميا إزاء هذ الملف الأهم والذي سيكون له ما بعده على قائمة الملفات الوطنية الأكثر إثارة، وهي القراءة التحليلية التي بدأت المعارضة في فهمها والتجييش لصالحها إعلاميا وسياسيا كما يرى مراقبون، وهو الأمر الذي ما لا تعكسه الأغلبية الحاكمة حاليا ولو من باب فهم ومسايرة تطلعات رئيس الجمهورية السيد : محمد ولد الشيخ الغزواني في هذ الاتجاه كما يرى مراقبون .

فهل ستنتظر أحزاب الأغلبية موقفا معلنا لرئاسة الجمهورية لتحديد بوصلتها السياسية وهي المفروض فيها أن تكون ذراعا سياسيا قويا لمواكبة رئيس الجمهورية في تطبيق تعهداته أم أن ديناميكية الأحداث والتنسيقات تجاوزتها ؟ أم أنها لا تزال تنتظر هي الأخرى وضع تصورات مشتركة لتحديد ملامح الحوار المرتقب ككتلة سياسية تمتلك الأغلبية في البرلمان ؟
أم أن طبيعة المشاركين في جلسات الحوار القادمة سواء من كل الأطراف ما تزال تقف عائقا في وجه انطلاقته وهي النقطة التي بلاشك ستحدد طبيعته في المستقبل ، سياسيا كان أم اجتماعيا بالإضافة إلى نوعية أطراف النقاش وإن كان المراقبون يرون أنه لا ضرورة لغير حوار اجتماعي ينهي ملفات ما تزال عالقة بفعل التراكمات .

فيما يرى كثيرون أن الحوار الذي يسعى له رئيس الجمهورية السيد : محمد ولد الشيخ الغزواني سيبقى هادفا إذا تمت فيه مراعاة الأهداف التي يسعى رئيس الجمهورية في تحقيقها بحوار اجتماعي ناجح عكس حوارات التجاذبات التي شهدتها البلاد سابقا .
و إلا لنجح السياسيون في جعل الحوار المرتقب مجرد كرة ثلج ترمى في المشهد لتشكيل خارطة سياسية جديدة بمعايير جديدة وعلى أرضية سياسية جديدة وبخطابات قديمة جديدة لا تفيد البلاد ولا العباد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق