من عبدالملك بن مروان إلى محمد ولد الشيخ الغزواني / الكاتب محمدفال ولد طالبنا

ذكر الفيلسوف والأديب أبو حيان التوحيدى في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت أجالس في ظل الكعبة أيام الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير، وكنا نخوض في الفقه مرةً وفي الذكر مرةً وفي أشعار العرب وآثار الناس مرةً، فكنت لا أجد عند أحدٍ منهم ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم والفصاحة والبلاغة، وحسن استماعه إذا حُدِّث وحلاوة لفظه إذا حدَّث، فخلوت معه ذات ليلة..
فقلت: ولله إني لمسرورٌ بك لما أشاهده من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك.
فقال: إنك إن تعش قليلًا فسترى العيون طامحة إليَّ والأعناق قاصدةً نحوي، فلا عليك أن تُعمل إليَّ ركابك
فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده، فوافيته وأكرمني أيما إكرام ثم قال: أتذكر ما كنتُ قلتُ لك؟
قلت: نعم، وهو الذي أعملني إليك.
فقال: والله ما هو بميراثٍ ادَّعيناه، ولا أثرٍ وعيناه، ولكني أخبرك عن نفسي خصالًا سَمَتْ بها نفسي إلى الموضع الذي ترى: مالاحيت ذا ودٍّ ولا ذا قرابة قط، ولا شمتُّ بمصيبة عدوٍ قط، ولا أعرضت عن محدثٍ حتى ينتهي، ولا قصدت كبيرةً من محارم لله متلذذًا بها وواثبًا عليها، وكنت من قريش في بيتها ومن بيتها في وسطه، فكنت آمل أن يرفع الله مني وقد فعل
لم تكن مهمة عبدالملك بن مروان سهلة حين ورث ملكا ممزقا تعصف به الفتن من كل جانب ، إلا أن خصال الرجل ومايتمتع به من حنكة ودهاء وحسن إختياره لرجاله كان كفيلا بانتصاراته المتتالية والتي كان أولها هزيمته لفرقة” التوابون ” الشيعية المعروفة وقتل زعيمها سليمان بن صرد الخزاعي الذي كان يلقب بأمير التوابين
ثم بعد ذلك إستطاع السيطرة على العراق والحجاز وبسط نفوذه وتأسيس خلافة قوية متماسكة .
إن أهم سمات السياسة الرشيدة تكمن في حسن إختيار الفرد وتحديد الوظيفة المناسبة له وفق سياسة واضحة مبنية على مبدأ الفرد المناسب في المكان المناسب وفِي الزمان المناسب
ولَم يكن إختيار عبدالملك بن مروان لرجاله إلا وفق مقاربة متكاملة الأركان وحيت ان الحقيقة التاريخية هي حقيقة واقعية، لا مبنية فقط على الاستنتاج العقلي أو المنطقي أو على الأوهام”لأن منطق الحياة لا يتوافق دائما ً مع منطق العقل المجرد”
فالتاريخ هو سياسة الماضي، وسياسة الحاضرتاريخ المستقبل، لأن العوامل التي تقود الشعوب ماضيا ً وحاضرا ً لم تزل هي هي، بالرغم من كافة التغيرات التي حصلت هنا وهناك، لأن النفس البشرية لم ولن تتأثر تأثيرا ً عميقا ً، بهذه التغييرات الخارجية.
لذلك فالتاريخ سيظل الدرس الأكبر للشعوب ولزعمائها السياسيين.
يقول المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل J Banville : ” ان رجل الدولة الذي يجهل التاريخ هو كالطبيب الذي لم يتردد على المستشفى ولا على المستوصف ولم يدرس الإصابات ولا السوابق .
الْيَوْم ونحن نعيش فصلا من فصول حاضرنا وتاريخ أجيالنا للمرئ أن يتساءل ؟؟
هل يحتاج رئيس الجمهورية للحجاج في التعامل مع :
– المتظاهرين من أجل بيئة نقية في أزويرات !!
– ومع المتظاهرين في تيفاريت !!
– ومع المعتصمات من دائني علي الرضا أمام القصر الرئاسي !!
– ومع المتظاهرين من مقدمي خدمات التعليم !! في المقابل ألا يحتاج المفسدون والمطبلون والمزمرون إلى سيف الحجاج لقطع أعناق وألسنة وخطابات وتحالفات طالما نهبت وزورت وأفسدت !! حين مدح جرير عبدالملك بن مروان بعد مقتل بن الزبير برائعته المشهورة تململ وأنقبض عند سماعه لمطلعها :
أَتَصحو بَل فُؤادُكَ غَيرُ صاحِ
عَشِيَّةَ هَمَّ صَحبُكَ بِالرَواحِ
لكن وجهه تهلل عندما قال :
أَلَستُم خَيرَ مَن رَكِبَ المَطايا
وَأَندى العالَمينَ بُطونَ راحِ
سيادة الرئيس قد تهللت وجوهنا وأستبشرنا خيرا لما سمعناه عنكم من خصال نحتاجها في قائد المرحلة
إن ماورثتموه لا يقل خطورة عما ورثه عبدالملك إلا أنه كان يقاتل رجالا إجتهد بعضهم لمصالح أمته لا لمصالحه الشخصية، ونحن نقاتل وإياكم أعداء أشد فتكا من كل عدو ظاهر مجاهر بعداوته
ولعل النسوة أمام قصركم وباقي الطامعين في عدلكم يتلون بيت جرير في مدحه لعبد الملك بن مروان :
ثِقي بِاللَهِ لَيسَ لَهُ شَريكٌ
وَمِن عِندِ الخَليفَةِ بِالنَجاحِ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق