حقيقة الفيروس / احمد سالم محمد اسحاق عبدى

كل الناس سكارى وما هم بسكارى ، فقد أخذ الفيروس البشرية على حين غفلة وهم يعمهون، ومن لم يمت بسيف القضاء الصارم ، مات وجلا على حياته الدنيا ، وأي حياة تلك التي تستحق! فهو غالب الأمر إما من العامة المسحوقة ، المسروقة ، المنهكة، الخانعة. أو من الفئة الفاسدة ، الفاشلة وما شاكل ، فلا ذي ، ولا تلك تستحق – لعمري – كثير عناء إن لم تنتشلها يد اللطف والعناية.

وفي خضم تلك المعركة الهوجاء، التي أشعلها الوباء كثر اللغط حول هذا الطائف السريع ، فمن الخبراء – على كثرتهم – من شرق ، ومنهم من غرب ، لتكون المحصلة ارتباك وضبابية ، وإقرار بالعجز وخروج الأمر عن السيطرة ، أما والخطب حقا كذلك ، فدعنا إذا أخي المسلم، نفسي وإياك، نجلي معا حقيقة الفيروس، بشكل لا لبس فيه ، كيف لا ! وكلمات العليم الحكيم ما ثلة أمامنا، يبصرها بعين البصيرة كل من زيحت عن قلبه غيوم الحجب السوداء، ليستنير بنور الحق، والحق غاية الوجود والحياة.

خائب ، وتائه وواهم من لم ينتبه إلى أن الكون بزمانه ومكانه وأحداثه مسير بتقدير عزيز حكيم – تعالى وتنزه – وكما أبدع سبحانه خلق الكائنات من الذرة إلى المجرة، أبدع كذلك حبك الأحداث وصيرورة التاريخ. رحمته سبحانه تغمر الكون بأسره، ولمحة بصر من عذاب يصعق لها من في السموات والأرض إلا ما شاء ربي وربك ، وكم تودد اللطيف العزيز إلى كثير أمم عبر الزمن  فأبت إلا استكبارا، وظلما ، فعاجلها عذابه من صعق ، وغرق ووباء ، وخوف ، وجوع. وكم مرة أعاد التاريخ نفسه، فيأتي العقاب الإلهي حينئذ للتنبيه والتغيير ، كلما بلغ الطغيان والظلم أوجهما.

أو لم نعش في السنوات الماضية ذروة الفساد والظلم والطغيان بشتى أصنافه؟ أو لم تقع أمام أعيننا أحداثا تجعل اللبيب حيران؟

نهب ممنهج لأموال الشعوب، استيلاء المفسدين على المناصب وتسخيرها في سرقة الأموال عبر الصفقات السوداء والمصاريف الكاذبة ، إذلال المسلمين ، وتجويعهم ، وتجهيلهم عبر سياسات ورقية لا سبيل لها إلى التطبيق ، وكيف ذلك ؟ والمسيرين أعينهم زائغة نحو النهب ، وأياديهم حمراء من دماء المرضى والجياع ، وعقولهم جوفاء ، وهممهم مطبلة ، وضمائرهم ذليلة ، ولنا أن نتساءل كيف للأمة أن تنهض في ظل هذه الظروف؟

إن ظلم دول طاغية للشعوب الإسلامية وتدميرها  إياها، ونهبها لثرواتها أمر مر ، ولكن أن تصطدم إرادة الإصلاح داخل مجتمعاتنا بلوبيات موبوءة بداء الفساد فذلك الأدهى والأمر : ألستم معي أن الفقر والجوع ، والتهميش ، والإقصاء والتدهور ما هم إلا نتيجة محتومة لحرائق الفساد التي تأتي على الأخضر واليابس ، فتخنق أنفاس الأمة فلا تستطيع حراكا ولا تقدم.

وهل الفساد بالمجهول في وطني ؟ ألم تزكم روائحه الكريهه كل سليم ؟ ألم تتفشى عدواه في كل مرفق عمومي ، حتى وإن تسمى ذلك المرفق بكل الأسماء والصفات، فهو غارق حتى النخاع في غيه وآثامه.

كل ذلك تجنيه فئة مستهترة بموارد الشعب ، إذ تظن أنها بمنأى من الحساب ، فتتعاطى الرشوة، والتهميش والحرمان ، ليت شعري ! كم جنت تلك اللوبيات الموبوءة على الأمة الموريتانية – في ما ضيها ومستقبلها- من تعطيل فرص عمل واستنزاف أموال وعقول ، ولن يوقفها عن غيها إلا إصلاح إداري عميق.

وللآلام والمآسي التي تخلفها حرب الإستنزاف تلك أصناف وأوجاع، فمن الناس من يحسها عنصرية ، ومنهم من يفسرها طبقية ، جهوية أو قبلية ، وحقيقة الأمر أنه فساد في البر والبحر يكتوي بناره شعب مسلم مسالم.

ألا تعلمون أيها المفسدون أنكم تأكلون في بطونكم نارا ؟ وما السيارات التي تمتطون، والدور التي تسكنون، والفضة التي تكنزون ، إلا آكاما من أنات اليتامى والجياع ، في العاصمة وفي قصي الأماكن وقريبها ، إنكم تعطلون موارد شعب كان باستطاعته التقدم والتطور لولاكم ، لكن من أنادي ؟ !

لا تعجبك أخي الشريف أموالهم ، ولا قصورهم إنها نتنة وإن بدت غير ذلك ، إنهم في خطر داهم ، ومستقبل حالك ، وملك الموت يحصد كل حين، والأسئلة  متربصة على فوهة القبر تنتظر.

ثم إن القدير الحكيم لهم بالمرصاد، والتغيير قادم، وآمالنا كبيرة على الله ثم على القائد الحالي أن يجري الله  على يديه التغيير الحقيقي، فيقوم بثورة صادقة على الفساد والظلم ، وحقا على كل مخلص أن يقف عضدا منيعا لانتشال أمتنا من هذه الهوة السحيقة.

والله من وراء الجميع محيط ، وما يعلم جنود ربك إلا هو ، وللفيروسات ثورة تقلب فيها الموازين ، وتخر لها الجبابرة  على الركب خاشعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق