نص رد محامي الدولة على رسالة الفرنسيان المحاميان عن ولد عبد العزيز

ملخص

ردا على المذكرة التوضيحية التي نشرها فريقنا يوم 1/10/2020، في ما بات يعرف بملف الفساد المفتوح ضد الرئيس السابق، السيد محمد ولد عبد العزيز، قام سيدانيدعيان “ذ/ راجو و ذ/ ابريكان”؛لا عنوان لهما سوىمدن «بريست-باريس- مرسيليا”، بنشر رسالة مفتوحة غريبة، موجهة لفخامة رئيس الجمهورية بتاريخ 03/10/2020 .

وبما أنهما تعرضا لنا عمدا بالتعريض وتوجها إلينا مباشرة بخطابهما،فإننا نود، من خلال هذه المذكرة، إنارة الرأي العام الوطني والدولي حول الملف ورد الأمور إلى نصابها بإظهار الحق حول الوضعية القانونية للرئيس السابق الذي يطالب له دفاعه تكلفا عدم المساءلة مطلقا فيما يشتبه اشتباها قويا في أنه اقترفه من جرائم اقتصادية بالغة الخطورة طيلة توليه لرئاسة الجمهورية.

حول ما اكتنف الرسالة من عيوب وما تخللها من ثغرات في شكلها:

فضلا عما اتسمت به من ضعف ملحوظ في التحرير، أكدت هذه الرسالة في شتي ما ورد فيه إرادة كاتبيها المتعمدة التنصل من القواعد الأساسية القانونية والأخلاقية التي تحكم ممارسة مهنة المحاماة في موريتانيا، من طرف المحامين الأجانب : رفض الانصياع لواجب اختيار أحد مكاتب المحامين المتعهدين معهما في موريتانيا كموطن مختار لهما والامتناع من قيام زيارة مجاملة لكل من نقيب المحامين ووكيل الجمهورية.

تماديا في التعالي والاحتقار تهجما علنا على كل السلطات والهيئات العمومية: رئيس الجمهورية،البرلمان الموريتاني،وكيل الجمهورية….. ولم ينج منهما زملاؤهما الذين لا يشاطرونهما ما تبنوه من آراء ذاتية،ولم يتوان راجو وابريكان، اللذان اعتبرا أنهما في بلد تابع، عن إعطاء الدروس للجميع و إلزامهم بالتصرف حسب رآهما وتأوليهما الخاطئ للوقائع وللقانون الذي يحكم تلك الوقائع سواء في موريتانيا أو في فرنسا التي أطنبا في الاستدلال بها دون أن ننسى ذكرهما لمعاداة السامية وللاستعمار الجديد وهي تهم حاولا إلصاقها بخصوم موكلهما دون أدنى دليل وذلك في محاولة يائسة لتجنيد رأي عام دولي معين وخلق بلبلة تمكنهما من تقمص ثوب الضحية.

فالرسالة لها نبرة التسيس الواضحة وهي تعطينا مع ذلك صورة عن السطحية التي عالجا من خلالها المسائل القانونية المتعلقة بالوضع القانوني لرئيس الدولة السابق في مواجهة الشبهات القوية التي تحوم حول ارتكابه للفساد وهذه المسائل القانونية هي التي ستنال حظا أوفر من العناية في هذه المذكرة.

حول ما يتمتع به رئيس الدولة من حصانة اعتمادا على المادة 93 من الدستور الموريتاني (المادة 68 قديمة من الدستور الفرنسي).يزعم المحاميان الفرنسيان أن موكلهما يتمتع بحصانة مطلقة عملا بالمادة 93 من الدستور الموريتاني محتجين بأنه “يمنع كل إجراء جزائي ضده من أي نوع كان خارج مقتضيات المتابعة أمام محكمة العدل السامية بتهمة الخيانة العظمى”. وهكذا يخلطان بين الحصانة المطلقة المرتبطة بصفته رئيسا للجمهورية والتي لا يستفيد منها إلا رئيس دولة يزاول حالا مهامه مهما كانت الأفعال المأخوذة عليه والحصانة الوظيفية التي تستمر بعد انتهائه من وظائفه ، إلا أنها لا تغطي إلا ما قام به تأدية لوظائفه الرئاسية المنصوص عليها في المادة 30 من الدستور الموريتاني فالحصانة الوظيفية الوارد ذكرها في المادة 93 من الدستور لا تحمي رئيس دولة إلا بالنسبة لما قام به في إطار وظيفته الرئاسية وهذه الحصانة محصورة في هذه الأعمال والتصرفات ولا تمنع سلطات المتابعة ، إن هي اشتبهت في ارتكاب رئيس الدولة السابق لمخالفات منفصلة عن وظيفته الرئاسية ، من أن تتخذ ضده تدابير يأذن بها القانون.

إن المشكل هو إذن التمييز بين الأفعال التي قيم بها في إطار الوظيفة الرئاسية والتي تنسحب عليها الحصانة الوظيفية والأفعال المنفصلة التي يمكن أن يتابع الرئيس السابق بسببها ككل المواطنين ، وهذا العمل يمر حتما ، كما بين ذلك الفقه القضائي في بلاد عدة من بينها فرنسا ، بتحقيق في أصل النزاع يقوم به القاضي المتعهد بالملف فهو وحده المخول عند الاقتضاء ، وإن حصل شك ما في طبيعة تلك التصرفات ، تكييف الأفعال محل المتابعة ، هل كانت تدخل فعلا في أداء الرئيس السابق لوظيفته ، أي أن لها علاقة مباشرة مع تسيير شؤون دولة أو هل هي ، على العكس من ذلك ، أفعال قام بها أثناء مأموريته إلا أنها ذات طابع خاص.

ولا شك أنه لا محل للشك في تكييف هذه الأفعال عندما يتعلق الأمر بمد شبكة المياه وإنشاء مسبح خاص بالرئيس في ضيعته الشخصية في مكان ناء عن القصر الجمهوري ، على حساب شركة عمومية ، ولما يقوم مباشرة أو عن طريق أفراد بنشاطات تجارية موازاة مع عمله كرئيس للجمهورية واستخداما لما له من نفوذ ، وعندما يقوم بجنايات في هذا الإطار ؛ أو إن هو فتح عددا من الحسابات لدى البنوك في الخارج خرقا لقوانين الصرف أو إن هو استغل هيئة خيرية كواجهة لتبييض أمواله ، أو كان يقوم – حتى نقتصر على هذه الأمثلة فقط- برفض تقديم أي تفسير لأصل ثرائه الفاحش الذي يتبجح به علنا ، بينما يفرض عليه قانون مكافحة الرشوة ، حاله في ذلك حال كل الموظفين أحرى هو ، أن يمتنع عن تبرير مصادر ممتلكاته عند وصوله للوظيفة وخروجه منها وأن يضخم عمدا ممتلكاته إبان توليه مهامه سعيا في إخفاء سبب ما ازدادت به أثناء مأموريته …. لا شك والحالة هذه أن الحصانة لا يلتفت إليها لأن هذه التصرفات لا تدخل إطلاقا ضمن الصلاحيات الدستورية المرتبطة بتأدية مهام الدولة المسندة لرئيس الجمهورية بموجب مقتضيات المادة 30 من الدستور.

2-2- حول اختصاص المحاكم العادية بالنظر في أفعال رئيس الدولة السابق المنفصلة عن الوظائف الرئاسية

يعتبر المحاميان الفرنسيان اللذان يدافعان عن السيد محمد ولد عبد العزيز أن المتابعة القضائية ضد رئيس دولة سابق، حتى علي أساس أفعال منفصلة عن تصرفاته كرئيس للجمهورية، أمر غير ممكن في فرنسا وذلك اعتمادا منهما على المادة 68 من الدستور الفرنسي قبل مراجعته سنة 2007 (المادة 93 من الدستور الموريتاني) معتبرين أن هذه المراجعة لا تسري على الدستور الموريتاني وبالتالي يرون أن هذه المتابعة غير قانونية في بلادنا.

لا شك أن هذا الجزم- الذي يعرض لا محالة كاتبي الرسالة المفتوحة لتندر جميع الدستوريين وكافة المختصين الفرنسيين في القانون الجنائي الذين اهتموا بوضعية رئيس الدولة من منظور القانون الجنائي – قول مستهجن ومستغرب ؛ ذلك أن القاعدة التي لا يمكن تجاوزها في هذا المقام والتي حصل عليها باستمرار الإجماع في فرنسا منذ دستور 1958 هو اختصاص المحاكم العادية في النظر في المسؤولية الجزائية لرئيس دولة سابق .

إن المسألة الوحيدة التي كانت محل نقاش في فرنسا اقتصرت على إثارة المسؤولية الجنائية لرئيس الجمهورية أمام المحاكم العادية وهو في أثناء تأدية مهامه وهذه مسألة حسمها المجلس الدستوري ومحكمة النقض، كل على حدة، وإن اختلفت الألفاظ المستخدمة من محكمة إلى أخرى حول النقطة التي تهمنا ، فخلصت الهيئتان إلى أنه يجوز القيام بمتابعات جزائية أمام المحاكم العادية في حق الرئيس فور انتهاء وظيفته. إن المراجعة الدستورية التي جرت في فرنسا سنة 2007 فلم يكن الغرض منها حل تساؤل لم يطرحه قط قانوني جدي. فقد كان هذا التعديل يرمي فقط إلى توضيح وضعية رئيس الجمهورية الجنائية وهو يمارس مهامه وتحديد الأجل اللائق في الآداب الجمهورية (الذي قدر بشهر) قبل القيام بمتابعة الرئيس أمام المحاكم القضائية بعد أن انتهت مأموريته، مما شكل تقاعسا مقارنة مع نص المادة 68 القديمة من الدستور الفرنسي (المادة 93 من دستورنا) كما فسرها بالترتيب المجلس الدستوري ومحكمة النقض اللذان اعتبرا، على أساس هذا النص، أن المتابعات الجزائية يمكن أن تستأنف دون تأخير بعد انتهاء المأمورية الرئاسية.

2-3- حول زعم عدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية

زعم محاميا السيد محمد ولد عبد العزيز الفرنسيان “أن اللجنة البرلمانية التي حققت في بعض الملفات التي تظهر مدى حجم النهب الذي تعرضت له ممتلكات الشعب الموريتاني وموارده خلال حكم موكلهم غير مشروعة اعتبارا لعدم ذكر لجان كهذه في الدستور، مما يعرض كل الإجراءات لعدم الشرعية”.

إن هذه الذريعة تنطلق من موقف نظري صادم ومن سطحية شديدة في التحليل فلو أننا اعتمدنا الطرح القائل بعدم شرعية كل ما لم يبوب عليه حرفا في الدستور لأصبح جل نشاطات الدولة المقام بها فعلا خارجة عن القانون.

خلافا لهذا الطرح وحتى نرجع إلى قليل من الجدية فإن لجان التحقيق البرلمانية ينظمها النظام الداخلي للجمعية الوطنية الذي جعله الدستور بمثابة القوانين النظامية وهذا النظام الداخلي يعرض حتما ، قبل تطبيقه على المجلس الدستوري من أجل التأكد من مطابقته للدستور وما دامت قرارات المجلس الدستوري لها قوة الشيء المقضي به وهي غير قابلة للطعن فيها وتلزم بها كافة السلطات القضائية والإدارية ، لكل هذا يكون الجدل حول عدم دستورية لجنة التحقيق البرلمانية جدلا عقيما ، فارغا من المعنى لا ترجي منه فائدة فالملف معروض على القضاء الذي لا تلزمه استنتاجات اللجنة عملا بمبدأ فصل السلطات وسيكون تحريك الدعوى العمومية عند الاقتضاء على أساس محاضر التحقيق التمهيدي المتضمنة ختم ما تقوم به الشرطة القضائية من تحقيق تمهيدي.

الرد على رسالة “ذ/ راجو و ذ/ ابريكان” بتاريخ 03/10/2020

ردا على المذكرة التوضيحية التي نشرها فريق محامي الدفاع عن الدولة، الموريتانية يوم 1/10/2020، في ما بات يعرف بملف الفساد قيد البحث التمهيدي ضد الرئيس السابق، السيد محمد ولد عبد العزيز، انبرى شخصان قدما نفسيهما كمحاميين فرنسيين، وقاما باسمي “ذ/ راجو و ذ/ ابريكان”؛ لا عنوان لهما سوى مدن “بريست- باريس- مرسيليا”، بنشر رسالة مفتوحة بتاريخ 03/10/ 2020 موجهة إلي السيد رئيس الجمهورية .

فبعد النزهة الخاطفة التي قادتهما في شهر أغسطس الماضي إلى نواكشوط والتي حاولا إبانها لفت الأضواء عليهما – بكيل التهديدات والوعد والوعيد لهذا وذلك باسم موكلهما ضد أعلى سلطات في الدولة – ، هاهما يعودان اليوم إلى الحلبة بنفس السطحية والارتجالية ورؤية الفضل للنفس علي الغير . وبما أنهما تعرضا إلينا بالتعريض والتنقيص وحتى بالسباب وحرصا منا ، فضلا عن ذلك ، على إنارة الرأي العام حول كنه حقيقة الوقائع التي اكتفيا بالتحليق فوقها بعيدا عنها محاولين طمسها ، ساعيين في تزييفها ، عاملين على خرق القوانين التي تحكم النازلة في موريتانيا وحتى تلك المعمول بها في فرنسا ، بلادهما وهي القوانين التي يبدو أنهما يجهلانها أيما جهل أو يتجاهلنها عمدا.

إننا لكل هذه الأسباب والدوافع سنتناول تباعا كافة جوانب الملف التي وردت في هذه الرسالة المفتوحة.

حول ما اكتنف الرسالة من عيوب وما تخللها من ثغرات شكلية:

لن نطيل الحديث عن منهج تحرير الرسالة المكتوبة باللغة الفرنسية ومن طرف محاميين فرنسيين تقاضيا –حتما- أجرة كبيرة مقابل الدفاع عن موكل بالغ الثراء، حسب إقراره العلني عن نفسه ، وله من الشهرة ما له ، ومع ذلك لم تنجو الرسالة من مآخذ بينة نحوا ولغة ، ولو أنهما قرآها قراءة سريعة قبل نشرها أو أسندا إلى غيرهما مراجعتها لجنبا القارئ معاناة تصحيحها حتى في الشكل ، بما في ذلك أرقام القوانين والمراجع التي استدلا بها (مثل القانون رقم 2016-014 المتعلق بمكافحة الفساد بدلا من القانون رقم 074-2016 المتعلق بموضوع آخر…). ولن نتطرق كذلك، أكثر من اللازم، إلى كون المحاميين “الدوليين” لم يتجشما عناء توقيع رسالتهما باسميهما الكاملين وتحاشيا ذكر عنوان محدد يمكن من أراد مراجعتهما أن يرسل إليهما بما له من رد أو ملاحظات على الرسالة فتلك عناية كبيرة بالقارئ واحترام لا يستحقه في نظر كاتبي الرسالة.

ومن اللافت للنظر كذلك أن هذين المحاميين حرصا كل الحرص على أن يقدما نفسيهما كلفيف فرنسي من مدن “بريست – باريس – مرسيليا” تميزاعن زملائهما الموريتانيين رغم أنهم يدافعون جميعا عن نفس الموكل.

لم يدرك الزميلان بعد أن موريتانيا دولة كاملة السيادة منذ 1960، وأن المسطرة تخضع لقوانين هذا البلد ونظمه وأعرافه القضائية؛ وأن الأمور ، خلافا لما يظنان، لا تجري في أحد المراكز الإدارية في فرنسا حتى يعفيا من اختيار أحد مكاتب المحامين المتعهدين معهما بنفس الملف كمقر لهما كما ينص عليه القانون كما أنهما أسقطا عن نفسيهما واجب القيام بزيارة مجاملة لكل من نقيب المحامين ووكيل الجمهورية.

وفي سياق متصل، تابع المحاميان المغموران استخدام ألفاظا مستفزة في حق مؤسسات الجمهورية برمتها وفي مواجهة كل من يطالبون بمقاضاة زبونهما السيد الرئيس السابق المعروف بثروته الطائلة التي تسيل لعاب الطامعين فتنسيهم قواعد التحفظ والكرامة والاعتدال والترفع، التي هي مرتكزات مهنة المحاماة وأسسها.

تعمد كاتبا الرسالة اللجوء حينا إلي الغلظة في القول تجاه رئيس الجمهورية وأمراه بالانصياع إلى رغبتهما الشديدة في إنهاء الملف عند هذا الحد سعيا منها في تجنب الوقوف مستقبلا أمام المنابر القضائية؛ لذا أوعزا إليه بأن يعقد مجلسا عاما مع جميع محامي الرئيس السابق، الفرنسيين منهم والموريتانيين ليناقشهم في إطار حوار شامل تحضره وسائل الإعلام الموريتانية (قنوات تلفزيونية وإذاعات ومدونين…)، ظنا منهما ، دون شك ، أنهما في إحدى جمهوريات الموز، وبأنهما قادرين على طي ملف فساد يقدر المبلغ المغيب قيه بمئات المليارات من الأوقية، خلال مباريات إعلامية يعود شكلها للقرن التاسع عشر ،أسوة بأفلام المغامرات المسماة “ويسترن اسباغتي” ، خبط عشواء ، “من تصب تمته ومن تخطأ يعمر فيهرم” هكذا يكون القضاء الموريتاني في تصورهما.

يخبرنا السيدان في مستهل رسالتهما أنهما على دراية تامة باستقلال هذا المرفق وبما كرسه دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية في مادته 24 من فصل بين السلطات، واعتبارا منهما “أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور والضامن لحماية الحريات الفردية والجماعية في البلد وهو من يرأس مجلس القضاء “. انطلاقا من كل هذه المسلمات قررا أن عليه أن يلعب دور المنعش الأكبر لحوارات إعلامية يفض على أساسها النزاع .

أخطأتما، مع الأسف، تقديرا أيها الزميلان!

إن الفصل بين الخصوم لا يكون إلا أمام المحاكم لا خارجها ومن طرف القضاة وحدهم ، لا من خلال المناظرات الإعلامية حتى ولو أشرف عليها السيد رئيس الجمهورية.

اختلط على هذين المغمورين الحابل بالنابل والمكان بالمكان ودولة بأخرى وظهرا وكأنهما لم يقرآ يوما ما دستور موريتانيا ولا حتى دستور بلدهما ، فرنسا ، ولجآ إلى الوعظ ومناشدة رئيس الجمهورية واستلطافه بزخرف القول: “لديكم إمكانية التدخل كحام للدستور وبالتشاور مع رئيس المجلس الدستوري الذي أرسلنا له نسخة من هذه الرسالة [ على الأقل ] حتى تتوقف مباشرة كل هذه الخروق التي يقام بها تحت ظل القانون الموريتاني”. لا أهمية في هذا المقام عندهما لغياب الأساس القانوني لما اقترحاه عبثا حول قيام تشاور بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الدستوري! وبنفس الخيال الخصب ورفاهة الحس ،تصورا حوارا علنيا مباشرا بين المحامين لفض النزاع هذا هو كل ما جادت به مخيلتهما وقريحتهما في باب المساطر الجزائية.

وسيلفى القارئ الكريم طيلة تفحصه للرسالة نفس الاستخفاف وعدم الاعتبار للدولة ولكافة مرافقها مثل وزير الداخلية ، الذي اتهم ، باطلا ، بحل الحزب الوحدوي الديمقراطي الاجتماعي ، ووكيل الجمهورية المكلف في الملف ذي “السلوك الغامض والمخالف للقانون ” وبأنه ربما يكون المسؤول الرئيسي عن “التحقيقات المقام بها والتي تمحورت حول الاستهداف الموجه لشخص الرئيس السابق”.

وخلاصة القول أنهما، ألقيا الكلام على عواهنه أكثر من مرة. فأين هو واجب احترام المؤسسات القضائية الوارد في القانون وفي يمين المحامي؟ ما لا يفهمه الزميلان هو البلد، كل البلد.

عبر الكاتبان عن دهشتهما واستغرابهما عن كونهما “موجودين في جمهورية لها دستور ولها مؤسسات يفترض أن تكون مستقلة وتتبنى النظام القانوني ومع ذلك ترى نفسها مضطرة للجوء لمساندة ستين محاميا للدفاع عنها” .

أليس من الطبيعي أن تكتتب الدولة ومؤسساتها ومجتمعها المدني أعدادا من المحامين المهنيين لمتابعة ملفات معقدة، متعددة ومتشعبة مثل تلك المشمول فيها موكل زميلينا؟

إن الأمر أعظم مما يتصورانه!

لم يسلم المحامون الموريتانيون الذين يمثلون الدولة كطرف مدني من غضب المحاميين راجو و بريكان فنعتاهما بأنهم مجموعة “عرف عن الكثير منهم، في الماضي، انحيازه المعلن ضد موكلنا” حسب ما كتبا. فبالنسبة لهما كل اللذين لم يسبق أن أعلنوا الولاء المطلق لموكلهما “يعملون فقط على تغطية الخروق التي يقع ضحيتها السيد الرئيس اليوم، ليس إلا”

فهل نسيا أن صفات المحامي النزيه والمعتدل هي الالتزام والوفاء والتقيد بالشرعية لا الخضوع الأعمى للمتقاضي خصوصا إذا ما شذ رأيه؟

لا يستحق من يدافعون عن الدولة سوى احتقار الفرنسيين الذين يريان “من المذهل أن لا يتمكن ستون محاميا – من المفترض أن تكون عندهم كل الأدوات القانونية للتفكير الناجع بسبب عددهم – من إيجاد تفسير دقيق وذكي للدستور الموريتاني وهو واضح تماما” ، وسنعرض لاحقا بإذن الله لاستقراء جلي ومجمع عليه لمقتضيات الدستور ، التي تحكم هذه المسائل ، حتى نزيل الذهول واللبس عن زميلينا

ولن ننتهي من هذا الجزء من العرض قبل أن نورد ما جاء من قمة إبداع وتفنن في التضليل والتمويه الذي وصلت إليه الرسالة المفتوحة لما تذكر “معاداة السامية” و”الاستعمار الجديد” التي طفق كاتباها يصفان بها كل من تصدى لموكلهما ، في محاولة يائسة لتجنيد رأي عام دولي معين وخلق بلبلة تمكنهم من تقمص ثوب الضحية.

إنها رسالة سياسية بامتياز أبرزت منذ بدايتها المنهج الذي يعالج به طاقم الدفاع عن الرئيس السابق قضية قانونية محضة وهو ما يجب أن يكون مصب اهتمام كل محام.

حول المسائل القانونية الأساسية المثارة في الرسالة:

لا يفتأ محاميا محمد ولد عبد العزيز يتذرعان بسلطان القانون الفرنسي على النازلة سواء من خلال مقتضيات هذا القانون أو ما جاء فيه من اجتهاد قضائي أو فقه قانوني سعيا منهما في تضليل رأي عام لا يعي بالضرورة بدقة هذا القانون خصوصا الدستوري منه. وإن نحن تجاوزنا كون نص قانوني واحد تمكن قراءته وتأويله بشكل مختلف من بلد لآخر حسب المعطيات التاريخية والثقافية ومن شخص لآخر ومن علة لأخرى واعتبرنا أن فرنسا ليست هي موريتانيا والعكس صحيح ، فمع ذلك لا يمكن تأويل الفقرات المتعلقة بحصانة رئيس الدولة بشكل أكثر ضبابية من التفسير الذي أعطاه المحاميان راجو وبريكان لمقتضيات مجموعة الألفاظ “خلال تأديته مهامه الرئاسية”. سواء كان ذلك التفسير من منظور القانون الفرنسي على أساس استقراء للمادة 68 قديمة من هذا الدستور أو للقانون الموريتاني الحالي على ضوء المادة 93 من الدستور أو تلك التي تحدد اختصاص المحاكم العادية عند متابعة الرئيس السابق حول الأفعال الخارجة عن مهامه الرئاسية من تصرفات وأخيرا سنتطرق لما تبناه دفاع الرئيس من رفض في غير محله ودون هدى أو فائدة ترجى للشرعية الدستورية لتشكيل لجنة التحقيق البرلمانية .

حول ما يتمتع به رئيس الدولة من حصانة اعتمادا على المادة 93 من الدستور الموريتاني (المادة 68 قديمة من الدستور الفرنسي).

يزعم المحاميان الفرنسيان أن موكلهما يتمتع بحصانة مطلقة عملا بالمادة 93 من الدستور الموريتاني فكتبا «يمنع كل إجراء جزائي ضده من أي نوع كان خارج مقتضيات المتابعة أمام محكمة العدل السامية بتهمة الخيانة العظمى”. وبهذا يخلطان بين ما يسمى في الاصطلاح القانوني “الحصانة الشخصية” و”الحصانة الوظيفية”.

من الناحية النظرية العامة للقانون الدستوري هناك فصل تام بين صنفي الحصانة السالف ذكرهما لأنهما لا تتحدان في أثرهما القانوني؛ فالحصانة الشخصية -وإن كان هذا الوصف قد يترتب عنه لبس في ذهن البعض لأنها سنت لحماية مؤسسة من مؤسسات الدولة لا شخصا بعينه – تمنح على أساس الصفة الرسمية التي يحظى بها المستفيدون منها: الرؤساء أثناء تأدية مهامهم ، البرلمانيون ، الدبلوماسيون في الدول التي تعتمدهم ، رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية عندما يسافرون للخارج ؛ فبما أنها مرتبطة بالصفة الرسمية للشخص يمكن بسهولة تحديد مدتها، بدءا ومختما.

إن هذه الحصانة حصانة مطلقة يتمتع بها رئيس الدولة أثناء مأموريته مهما كان الفعل المقام به من طرفه فهي مانعة منعا باتا من اتخاذ كل إجراء قضائي في حقه؛ لكنها تنتهي بانتهاء المأمورية الرئاسية لأنها لا تمتلك “صفة الدوام الخاصة بالنظام الملكي” كما نبه عليه الكاتب الفرنسي أوليفيي بو في كتابه (الجدل الفكري حول المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية-2001-ص.1187) ؛ فالحصانة تنتهي مباشرة مع انتهاء المأمورية لما يفقد الرئيس صفة الحصانة المطلقة ويرجع إلى أصله كمواطن عادي ، خاضع للقانون كغيره من المواطنين.

لذا فإن صفة “رئيس دولة سابق” لا تحمل في ذاتها أية حرمة أو امتياز مانع من المساءلة القانونية أما الحصانة الوظيفية فهي ممنوحة بحسب طبيعة التصرفات وبالتحديد تلك المرتكبة أثناء تأدية الوظيفة المسندة إليه ؛ وهي تشمل بالنسبة لرئيس الجمهورية عدم المساءلة عن هذه الأفعال دون غيرها، حصرا ؛ ولما كانت تخص ما قام به ، خلال تأدية وظيفته ، وضمن صلاحياته ، فهي تستمر بعد انتهاء وظيفته ويمكن أن يدفع بها أو يحتج بها رئيس دولة سابق. بالتالي، إن كانت الحصانة الشخصية ملازمة لصفة الرئيس فالحصانة الوظيفية مقيدة ونسبية وخاضعة لتقييم القاضي المتعهد بعد ذلك في إطار ما له من اختصاص وصلاحيات.

وبما أنها محصورة في الأفعال التي قام بها السيد الرئيس تأدية لوظيفته فإن الاستفادة منها مشروطة بالتصنيف القانوني الذي يقوم به القاضي المختص لهذه الأعمال والتصرفات، موضع النزاع.

ونظرا إلى ما سلف يجب النظر ، في بعض الأحيان ، في كل حال على حدة من أجل تحديد إن كان يمكن اعتبار الأعمال التي تتم مساءلة الرئيس عنها ضمن الصلاحيات الوظيفية المرتبطة بما كان يشغله من مهام محمية بالحصانة أو على العكس من ذلك تعتبر هذه الأفعال خارجة عن مناط أداء الوظيفة في حد ذاتها ؛ فالمادة 93 من الدستور الموريتاني (مثلها مثل المادة 68 قديمة من الدستور الفرنسي المستنبطة منه) لا تزيل وحدها اللبس حول المسألة فهي لم تعط معنى محددا ل “أعمال قام بها خلال تأدية المهام الرئاسية” ؛ وبالتالي فإن كل المسألة تكمن في الفصل بين ما هو ضمن تلك الأفعال ويتمتع صاحبه بالحصانة الوظيفية وما لا يمكن اعتباره ضمنها انطلاقا من مقتضيات المادة 30 من الدستور الموريتاني.

ولكي نبقى في المحيط الثقافي القانوني المفترض للسيدين راجو وبريكان ومجاراة لهما فيما يعتبران أنهما أدرى به من غيرهما أو على الأقل منا به، نرد كمثال على عملية التكييف السابق ذكرها والتي يجوز بل يجب على أي قاض اللجوء إليها إذا ما التبست عليه طبيعة الأفعال ، نذكر على سبيل المثال نازلة الوزير الفرنسي السابق ، السيد ميشيل نوار وهي القضية التي حكمت فيها الغرفة الجنائية بمحكمة النقض سنة 1997 برفض النقض الذي تقدم به المعني ضد حكم عليه باختلاس المال العام لتمويله حفل عشاء على شرف أعضاء ديوانه ومساعديه من مدينة ليوه ، وقد اعتبر الوزير أن تنظيم هذا الحفل يأتي ضمن “الأعمال التي تدخل في صلاحياته خلال تأدية مهامه كوزير التجارة الخارجية”لأن الهدف منه كان “تنظيم وبرمجة عمل من أعمال وزارته في ولاية رون-ألب”، وعليه ،وتطبيقا للمادة 68-1 من الدستور فإن “هذا الاشتباه يتطلب تكييفا للأفعال يدخل ضمن صلاحيات محكمة العدل الجمهورية وليس من اختصاص محاكم الموضوع الفرنسية”. وخلافا لهذا الرأي ثبتت محكمة النقض قرار محكمة الاستئناف بمدينة ليوه الذي جاء فيه أن “الحصانة الوزارية ، بعكس الحصانة البرلمانية والدبلوماسية ، لا تترتب عن صفة الشخص المعني وحدها، وأنه لما كان الفعل المدان قد وقع خلال أداء المهام الوزارية ، فعلى المحكمة التي تبت فيه أن تبحث في حيثيات الوقائع المأخوذة على الوزير بحيث تراعي في الحسبان، خلال تكييفها للوقائع، الشكل والمضمون ؛ وأنه في النازلة المنشورة أمام محاكم الموضوع يستحيل على المحكمة البت في مسألة الحصانة الوزارية المرتبطة بتهمة اختلاس المال العام ، بخصوص حفل العشاء موضوع الاتهام، دون القيام بتقييم موضوعي للوقائع التي سببت هذا الاشتباه ؛ وبناء عليه فإن الطلب بأن تصرح المحكمة ، وهي محكمة قانون عادية، بعدم اختصاصها للبت في المسألة سيتم ضمه لملف الأصل….).

إن الفائدة من سرد هذا الفقرة من حكم محكمة استئناف ليوه الذي نقلته واعتمدته ، في قرارها ، محكمة النقض الفرنسية هي القول أن تقدير مدى جدية الدفع على أساس الحصانة الوظيفية مسند إلى تقدير القاضي المختص في الأصل. وقد بررت محكمة النقض قرارها باعتبار أن “الأفعال التي قام بها وزير خلال تأدية مهامه هي تلك التي لها علاقة مباشرة بتأدية مهام الدولة المرتبطة بصلاحياته…”، وعليه يجب التحقق، من خلال تحقيق دقيق ، من إمكانية ربط الأفعال المأخوذة على الوزير بما هو مسند إليه من تسيير لمهام الدولة أو، علي العكس ، كان للأفعال طابع خصوصي محض وبالتالي تميز المحكمة تماما بين ما قيم به (لتأدية مهام الدولة) مع ما قيم به خارج تلك المهام مما يعتبر أفعالا خارجية قابلة للفصل عن الوظيفة وتسمي اصطلاحا ” الأفعال المنفصلة “.

لقد اعتبر الفقه القانوني أنه “لا مجال للشك – هنا أيضا – في أن هذا النمط من التحليل قابل للإسقاط على الأفعال المجرمة التي يقترفها رئيس الجمهورية : وتلزم المحكمة أو هيئة الادعاء بالقيام بتحقيق دقيق لا حول السياق الذي جرت فيه الافعال فحسب بل أيضا حول طبيعة الفعل المجرم وذلك للتأكد من دخوله في دائرة تأدية المهام أو الصلاحيات التي يمنحها الدستور لرئيس الدولة…” ** المرجع V. par exemple, E. Dezeuze, Un éclairage nouveau sur le statut pénal du Président de la République, Revue de Sciences Criminelles, 1999, p. 497 et dans le même sens, TH Ablard, Le Statut Pénal du chef de l’Etat, RFDC, 2002/3 n°51).

إذا كانت الحصانة الوظيفية تعلل بضرورة الحفاظ على حرية إرادة رئيس الجمهورية الحرة وتقديره الأحسن في العمل علي انجاز السياسات التي انتخب لأجلها وتضمن له بأن لا يتابع في المستقبل بسبب أفعال قام بها اجتهادا بحكم وظيفته كرئيس، فإن ذلك يكون شريطة أن يظل ضمن الصلاحيات التي حددها له الدستور.

وعندما يخرج الرئيس من إطار تلك الصلاحيات ويتدخل في تسيير المؤسسات العمومية فيمنح لنفسه ولمقربيه الصفقات مع هذه المؤسسات.

عندما يقوم بمد شبكة المياه وإقامة مسبح خاص به في ضيعته الشخصية في مكان ناء عن القصر الجمهوري ، على حساب شركة عمومية، ولما يقوم مباشرة أو عن طريق أفراد بنشاطات تجارية موازاة مع عمله كرئيس للجمهورية استخداما لما له من سلطان ، وعندما يرتكب جنايات في هذا الإطار ؛ أو إن هو فتح عددا من الحسابات لدى البنوك في الخارج خرقا لقوانين الصرف أو إن هو استغل هيئة خيرية كواجهة لتبييض أمواله ، أو كان يقوم – حتى نقتصر على هذه الأمثلة فقط – برفض تقديم أي تفسير لأصل ثرائه الفاحش الذي يتبجح به علنا ، بينما يفرض عليه قانون مكافحة الرشوة – حاله في ذلك حال كل الموظفين أحرى هو – أن يمتنع عن تبرير مصادر ممتلكاته عند وصوله للوظيفة وخروجه منها وأن يضخم عمدا ممتلكاته إبان توليه مهامه سعيا في إخفاء أسباب ما ازدادت به أثناء مأموريته …. لا شك ،والحالة هذه ، أن القول بالحصانة لا يلتفت إليه لأن هذه التصرفات لا تدخل إطلاقا ضمن الصلاحيات الدستورية المرتبطة بتأدية مهام الدولة المسندة لرئيس الجمهورية بموجب مقتضيات المادة 30 من الدستور.

وبطبيعة الحال إذا أحيل الملف إلى قاض بعد أن تم ضبط كافة التهم الموجهة إلى رئيس الدولة السابق ، واستظهر هذا الأخير بالحصانة الوظيفية بناء على المادة 93 فسيكون حينها على القضاء أن يبت رفضا أو قبولا في هذا الدفع وعلى المحكمة المتعهدة أن تحدد هل الأفعال المتابع عليها السيد الرئيس داخلة ضمن ممارسة مهامه أو هل هي منفصلة كلا أو جزءا عنها ، عندها وكما هي الحال في دول أخرى ، سيكون ،على القاضي المختص، أن يحدد المعايير التي تبناها واعتمدها في قراره المتخذ من أجل التمييز بين هذه الأفعال وتلك.

لكن القول – كما ذهب إلى ذلك محاميا السيد محمد ولد عبد العزيز، الفرنسيان – بالمماثلة بين الحصانة الواردة في المادة 93 من الدستور والحصانة المطلقة هو عين ذات المزج بين الحصانة الشخصية والحصانة الوظيفية اللتين بينا ما بينهما من فرق شاسع ويؤول فهم كهذا إلى رفع رئيس دولة سابق ، أصبح مواطنا عاديا، إلى مستوى رئيس دولة مازال يمارس وظائفه من تمثيل للدولة واضطلاع بالمسؤولية عنها ويعمل جاهدا على استمرار سير كافة مرافقها سيرا اعتياديا .

إن القول بالمماثلة بين هذه الحصانة وتلك مخالف تماما لا للقانون الدستوري فحسب بل يتعارض كذلك مع القانون الدولي كما يشهد على ذلك الفقه القضائي الدولي الخاص بحصانة رؤساء الدول السابقين؛ فقد تم توقيف رئيس الشيلي السابق الجنرال بينوشي في 16 اكتوبر 1998 وهو في عيادة طبية بمدينة لندن وكان هذا التوقيف إثر إجراءات طلب تسليم قام بها، في حقه ، القاضي الإسباني ب. غازون بتهمة تعذيب مواطنين اسبان خلال فترة حكمه.

وقد بينت هيأتا اللوردات في بريطانيا ، اللتان قدم الطلب أمامهما للبت في شرعية بطاقة الاعتقال الصادرة في حقه ومسطرة التسليم ، بأنه لو كان بينوشي مازال رئيسا للدولة فلا يمكن توقيفه بحكم ما يتمتع به من حصانة مطلقة ؛ فانطلق الجدل حينها حول حجم ما يتبقى من تلك الحصانة الوظيفية التي يقرها كل من القانون الدولي العرفي والقانون البريطاني للرؤساء السابقين في مواجهة ما ارتكبوا من أفعال أثناء تأدية مهامهم ؛ كان على القضاة أن يقدروا هل أفعال التعذيب التي ارتكبت بأوامر “قد تكون صدرت عن بينوشي وهو يمارس وظيفته كرئيس” يمكن اعتبارها أوامر داخلة في سياق الحصانة الوظيفية التي كفلها القانون له كرئيس لدولة أم لا.

وقد قررت غرفة اللوردات البريطانية ـ في تشكيلتها الأولى بوصفها محكمة استئناف منشور أمامها الطعن ضد قرار المحكمة العليا الذي بموجبه أبطلت أحد أوامر التوقيف الصادرة في حق الجنرال بينوشي ـ رفض الحصانة التي دفع بها معللة ذلك بأن “التعذيب لا يدخل ضمن صلاحيات رئيس الدولة” ؛ ثم بعد ذلك عززت التشكيلة الثانية التي تكونت بعد ما ألغيت الأولى قرار رفض الحصانة معتبرة أن الاتهام بالتعذيب لا يمكن أن يندرج تحت طائلة الحصانة .

ونحت العديد من المحاكم الوطنية الأخرى نفس المنحى، فقررت أن بعض الجرائم مثل التعذيب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب لا يمكن اعتبارها كأفعال تدخل في إطار صلاحيات رئيس الدولة الرسمية؛ وقررت المحكمة العليا بأمستردام سنة 2000 ، في نفس الاتجاه ، بأن الاتهام بالتعذيب ضد الرئيس السابق لسورينام لا يدخل هو الآخر ضمن ما تكفله الحصانة الوظيفية ؛ وتبنت المحكمة الفدرالية نفس المنهج لما حاكمت رئيس دولة البيرو السابق ألبيرتو فوجيموري بتهمة الفساد فخلصت إلى أنه ، بغية تحديد كون فعل ما يدخل تحت طائلة الحصانة أم لا ، يتعين التحقيق حول السياق الذي تم فيه ارتكاب الفعل والغرض المتوخى من ارتكابه.

وباختصار فإن الحصانة التي تمنحها المادة 93 من الدستور الموريتاني والتي يلوح بها دفاع السيد محمد ولد عبد العزيز هي حصانة مقيدة لا يمكنه بحال من الأحوال أن تعطيه حصانة مطلقة. وهي لا تمنع سلطات المتابعة، لما تشتبه في أن رئيسا سابقا ارتكب جرائم منفصلة، من تقييد حريته بتدابير أذن القانون في اتخاذها.

إن الحصانة تعتبر في القانون الجزائي استثناء وخروجا على مبدا المساواة بين المواطنين، وبالتالي لا تأول إلا تأويلا ضيقا؛ ويكون القانون العام هو الذي يسري في غياب نص صريح يمنح حصانة من المتابعة لشخص ما إثر ارتكابه جرائم منفصلة؛ وإذا كان الرئيس السابق يعتبر أن الأفعال مجال النزاع المأخوذة عليه تدخل ضمن صلاحياته التي تغطيها الحصانة الوظيفية فعليه أن يدلي بما يراه من دفع أمام المحكمة المختصة التي تبت في هذه النقطة وذلك في المرحلة الإجرائية المناسبة.

2-2- حول اختصاص المحاكم العادية بالنظر في أفعال رئيس الدولة السابق المنفصلة عن الوظائف الرئاسية

إن المحاميين الفرنسيين اللذين يدافعان عن السيد محمد ولد عبد العزيز يعتبران المتابعة القضائية ضد رئيس دولة سابق حتى بخصوص أفعال منفصلة، أمر غير ممكن في فرنسا وذلك اعتمادا منهما على المادة 68 من الدستور الفرنسي قبل مراجعته سنة 2007 (المادة 93 من الدستور الموريتاني) معتبرين أن هذه المراجعة لا تسري على الدستور الموريتاني وأن هذه المتابعة غير قانونية في موريتانيا. ولإسعاف هذا التأويل، يلجئان الي الفقرة الأخيرة من المادة 67 من الدستور الفرنسي التي ورد فيها “يجوز استئناف الدعاوى والإجراءات التي تمت عرقلتها أو رفعها ضده بعد انقضاء شهر على نهاية مهامه” ، مضيفين بأسلوب متعال تجاه الرئيس الحالي للجمهورية بأن “هذه الحصانة المؤقتة التي يعتمد عليها مستشاروكم موجودة الآن في فرنسا ولكن لا وجود لها في موريتانيا على الإطلاق، حيث لم يتم اعتماد إصلاح دستوري مماثل”.

لا شك أن هذا الجزم في القول -الذي يعرض كاتبي الرسالة المفتوحة لا محالة لتندر جميع الدستوريين وكافة المختصين الفرنسيين في القانون الجنائي الذين اهتموا بوضعية رئيس الدولة من منظور القانون الجنائي –مستهجن ومستغرب ؛ فهل مرد لجوئهما إلى إلقاء الكلام علي عواهنه هو عدم الكفاءة أم هو سطحية في طرحهما أم هو فقط عمل علي المغالطة وبسوء نية مبيت لديهما؟ ذلك أن القاعدة المسلم بها ، في هذا المقام والتي حصل عليها باستمرار الإجماع في فرنسا منذ دستور 1958، هي اختصاص المحاكم العادية في النظر في المسؤولية الجزائية لرئيس الدولة السابق في قضايا منفصلة عن مهامه.

لقد أجمع الفقه الدستوري برمته على أن حصر المادة 68 من الدستور في إعفاء رئيس الدولة من المسؤولية عن الأفعال التي ارتكبها أثناء تأديته لمهامه يقتضي مسؤوليته عن باقي الأفعال المنفصلة عن تلك المهام؛ وهو الموقف الذي أثبتته أعلى هيأتين قانونيتين في فرنسا، كما سنرى لاحقا عند استقراء المادة 68 من الدستور الفرنسي. وكان السؤال الوحيد المحتمل العرض فعلا ، أثناء فترة التعايش بين الرئيس شيراك ورئيس وزرائه جوسبان سنة 1998 ، منحصرا فيما إذا كان رئيس أثناء ممارسته لمأموريته ، كما هو حال شيراك وقتها ، والذي تحميه حصانة وظيفته ، يمكن استدعاؤه من طرف قاضي التحقيق كشاهد مآزر ؟ وهل في نفس السياق بالإمكان متابعته أمام المحاكم العادية على خلفية ارتكابه أفعالا سابقة ومنفصلة؟ كانت حينها الوقائع تتعلق بتسييره لبلدية باريس؛ فاحتدم الجدل بين فقهاء القانون حول الرد على هذا السؤال الذي يثير المسؤولية الجنائية لرئيس أثناء ممارسته لمهامه ؛ لقد اعتبر البعض أن المادة 68 لا تنص على استفادة الرئيس من استثناء خلال فترة ولايته فيما يتعلق بالأفعال المنفصلة عن وظائفه فاحترام مبدأ المساواة أمام القانون الجزائي الذي هو الأصل يتعين الرجوع إليه حتى يكون رئيس الجمهورية، كأي مواطن ملزم بأن يجيب على التساؤلات المطروحة حول تصرفاته دون انتظار نهاية مأموريته. وقد كتب أحد رواد هذا الموقف ، الأستاذ د. شانيولو في جريدة ليبراسيوه يوم 18 سبتمبر 1998، أن “رئيس الدولة مسؤول جزائياً عن الجرائم التي تنفصل عن وظيفته ، دون أن يستفيد من امتياز قضائي ، وإلا كان مثل الملك المعفي من المساءلة إعفاء مطلقا…”؛ واتجه كتاب آخرون إلى دحض هذا الموقف وكان معتمدهم فيما ذهبوا إليه قاعدة غير مكتوبة تكرس حصانة مطلقة لرئيس يمارس وظائفه وهي قاعدة مستنبطة من مبادئ أخرى ومقتضيات واردة في الدستور، منها كون رئيس الجمهورية يمثل الدولة وهو من يكفل ديمومتها ، وأنه هو الضامن للسير المنتظم للسلطات العمومية وهو من يذود عن السيادة الوطنية واستقلال القضاء …..؛ ولا شك في أن هذه المبادئ والمصالح العظمي قد تتعرض لمخاطر إذا ما تعرض الرئيس ، خلال فترة ولايته ، لأي إجراء من إجراءات الإكراه القضائي.

وشدد أصحاب هذا الرأي على ضرورة الفصل بين الرجل والوظيفة.

وفي مقال نشرته يومية الفيغارو يوم 06 يونيو 1998 كتب الأستاذ ج. كاركاسون احد أبرز القائلين بهذا الرأيأن “الرئيس كفرد مسؤول جنائيا. لكن الوظيفة محمية. طالما أن الشخص يمارس الوظيفة، فلا يمكن اتهامه إلا من طرف الغرفتين ولا جهة غيرها. وعند انتهاء مهامه ، يجوز لكل قاض أن يتابع الإجراءات التي علقت في غضون ذلك” ؛ وسانده الأستاذ رونفيلوا حين يقول إنه “ما دام الرئيس في منصبه ، وطالما استمرت ولايته ، يجب إبقاؤه في مأمن من الإجراءات الجزائية. .” (Intervention, in Revue de Droit public, 2003, s. p. 98)

ونلاحظ، عرضا ، حتى لدى فقهاء القانون الذين يعارضون المساءلة الجزائية لرئيس ما زال يمارس مهامه ، قيام إجماع على إعطائه امتيازا قضائيا مؤقتا للجرائم المنفصلة ؛ ولا يفتؤون يؤكدون تمسكهم بانتهاء ذلك الامتياز لما تنتهي الوظيفة، فلا خلاف عندهم حول هذه النقطة. لقد انحصر الجدل حول الوضعية الجزائية لرئيس الدولة المزاول لمهامه، على أساس الحصانة المطلقة، وهو المبدأ الذي يتعارض مع محاكمته أمام المحاكم القضائية. وقد ظل من البديهي للجميع مما لم يكن يوما ما موضع نقاش كون أي رئيس يمكن أن يحاكم بعد انتهاء مأموريته حيث يصبح مواطنا عاديا تحاكمه المحاكم العادية.

لقد اعتمدت أكبر هيئتين قضائيتين فرنسيتين هذه القاعدة وإن كان ذلك من منظورين اثنين مختلفين.

فالمجلس الدستوري الفرنسي ، خلال جلسته يوم 22 يناير 1999 المخصصة للبت في مدى مطابقة معاهدة روما بتاريخ 18 يوليو1998 المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية مع الدستور الفرنسي ، تعرض للمسؤولية الجزائية لرئيس ما زال يمارس وظائفه وذلك على النحو التالي: “بالنظر إلى أنه يستنتج من المادة 68 من الدستور أن رئيس الجمهورية يتمتع بالحصانة فيما يتعلق بالأعمال التي يقوم بها أثناء ممارسته لمهامه، ما عدا حالة الخيانة العظمى ، وأنه نظرا إلى أنه فضلا على ذلك لا يجوز التعرض لمسؤوليته الجنائية إلا أمام محكمة العدل السامية وذلك طيلة مدة تأديته لهذه المهام.”

لقد أثار هذا القرار جدلا واسعا وتعرض للانتقاد لكونه، على وجه الخصوص، وسع مجال اختصاص محكمة العدل السامية ليشمل المسؤولية الجنائية للرئيس وهو في مزاولة مهامه في مجال غير الخيانة العظمى المنصوص عليها حرفا ولم يغير المجلس الدستوري شيئا بالنسبة لرئيس سابق لأن القرار المذكور أكد من خلال استخدامه لعبارة “أثناء تأديته لمهامه” أن الأمر يتعلق حصرا بالرئيس المزاول لمهامه؛ وبالتالي عندما يترك وظيفته فإن تقدير مسؤوليته الجنائية يعود للمحاكم العادية. ولرفع اللبس حول هذه النقطة، نشر المجلس الدستوري بيانا توضيحيا يوم 10 أكتوبر 2000 ورد فيه “أن قرار 22 يناير المحدد للوضعية القضائية لرئيس الجمهورية بخصوص أفعال سابقة لتوليه وظيفته أو هي منفصلة عنها يبقي على إمكانية متابعته أمام محكمة العدل السامية أثناء مأموريته، وعليه فإن هذه الوضعية لا تمنحه حصانة بل مجرد امتياز قضائي طيلة المأمورية”.

أما محكمة النقض في تشكيلة غرفها المجمعة فقد حسمت الجدل القضائي بقرار الصادر يوم 10 اكتوبر 2001 الذي ورد فيه : ” تفسر مقتضيات المادة 68 بأنه لما كان الرئيس منتخبا بشكل مباشر من طرف الشعب ليضمن ، من بين أمور أخرى ، استمرار سير السلطة العمومية وديمومة مرافق الدولة ، فإن رئيس الجمهورية لا يستمع إليه طيلة مأموريته كشاهد مآزر ولا يحقق معه ولا يذكر اسمه أو يحال كمتهم أو مشتبه فيه أمام محكمة جزائية ، وهو ليس ملزما بالحضور كشاهد عندما يكون الاستدعاء مصاحبا بإجراءات قسرية.

إن محكمة العدل السامية مختصة فقط بالنظر في تهمة الخيانة العظمى لرئيس الجمهورية وهو في أثناء ممارسته لمهامه، ولا تمكن مقاضاته أو مساءلته عن الأفعال الأخرى أمام المحاكم الجزائية طيلة ولايته الرئاسية، ويعلق احتساب آجال تقادم الدعوى العامة مدة ذلك.”

نلاحظ هنا أن ما تمسك به المستشارون القانونيون للدولة الموريتانية ، “من طابع مؤقت للحصانة” من أجل دعمهم لاختصاص المحاكم العادية للبت في الأفعال المنفصلة ، لرئيس دولة سابق ، موقف ثابت مسلم به في القانون الفرنسي حتى قبل المراجعة الدستورية التي جرت سنة 2007 وذلك على أساس تعاليم الفقه والاجتهاد القضائي حول تفسير المادة 68 من الدستور الفرنسي (93 من دستور موريتانيا) بخصوص الوضعية الجزائية للرئيس طيلة ممارسة مهامه وهي المسألة الوحيدة التي كانت موضع جدل أو خلاف في التأويل.

أما بخصوص القانون الدستوري الصادر بتاريخ 23 فبراير 2007 الذي تمت بموجبه مراجعة المادتين 67 و 68 من الدستور الفرنسي فإنه ، بالنسبة لكل قانوني جدي ، لا يتضمن معالجة إشكالية احتمال المتابعة الجنائية لرئيس سابق ومساءلته عن أفعاله المنفصلة عن وظائفه فلا جدل حول هذه الإشكالية. بل قد كان الغرض من التعديل الدستوري هو الوفاء بوعد انتخابي للرئيس جاك شيراك أطلقه أثناء حملته الانتخابية الرئاسية سنة 2002 متعهدا بالعمل على توضيح الوضعية الجزائية لرئيس الجمهورية لأن الموضوع سمم أجواء الساحة السياسية خلال فترة طويلة من مأموريته قبل قرار محكمة النقض في تشكيلة غرفها المجمعة الصادر سنة 2001 .

لقد بادر جاك شيراك ، بعد إعادة انتخابه ، بتعيين لجنة حكماء برئاسة الأستاذ “بول أفريل” التي سلمت مقترحاتها يوم 12 ديسمبر 2002 وقد اعتمد القانون الدستوري الصادر بتاريخ 23 فبراير 2007 مجمل ما خلصت إليه تلك اللجنة من مقترحات ؛ حيث لم تغير شيئا يذكر مما كان يحكم متابعة الجرائم المنفصلة كما يظهر في قرار محكمة النقض في تشكيلة غرفها المجمعة في تفسيرها للمادة 68 من الدستور الفرنسي (المادة 93 من الدستور الموريتاني).

ويكفي- للتأكد من ذلك- القيام بمقارنة المادة 67 الجديدة ، بعد مراجعة الدستور مع ما أقرته محكمة النقض قبل ذلك ، فالنص الجديد أورد ” إن رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأفعال التي يتم ارتكابها بوصفه رئيسا ، مع مراعاة أحكام المادتين 53-2 و 68. ولا يُطلب منه خلال فترة ولايته الإدلاء بشهادة أمام أي سلطة قضائية أو سلطة إدارية فرنسية ولا أن يكون موضوع مذكرة إشعار أو تحقيق أو مقاضاة ويتم تعليق كل فترة تقييد أو حبس صادرة في حقه. على أن يستأنف التحقيق والإجراءات التي تم إيقافها أو رفعها ضده فور انصرام شهر واحد على انتهائه من أداء مهامه.”

إن قراءة هذا النص تستدعي منا تقديم ملاحظات ثلاث هي:

أولا: إن المقتضيات الجديدة تخص حصرا الوضعية الجنائية لرئيس ما زال يتولى مهامه

ثانيا: جاءت ألفاظ هذا النص متقاربة إلى حد التطابق مع ما ورد في قرار محكمة النقض سنة 2001 على أساس المادة 68 من الدستور (المادة 93 من الدستور الموريتاني)

ثالثا: من الطريف أن الفقرة الأخيرة من المادة 67 الجديدة من الدستور الفرنسي التي يرجع إليها المحاميان الفرنسيان مع أنها نصت على أن متابعة الرئيس السابق لا تتم إلا بعد انقضاء شهر من نهاية مأموريته ، هذه هي الإضافة الوحيدة التي استحدثها النص على ما جاء في قرار محكمة النقض.

إذا كنا قد بذلنا هذا الجهد الكبير من أجل تقديم تفسير وتعليل للقانون الفرنسي، – حتى وإن كان لا ينطبق على موريتانيا ، الدولة المستقلة منذ 1960 ، والتي تفسر وتطبق قوانينها من طرف قضاتها وليس من طرف محاميي “بريست – باريس- مرسيليا” – فذلك من أجل تنوير الرأي العام الوطني والدولي والقانونيين النزيهين في موريتانيا وفرنسا وخارجهما ، وإبراز مدى وهن وهشاشة الحجج التي يعتمدها زميلانا الفرنسيان بل سطحيتها حين يستدلان بالقانون الفرنسي الذي ندعوهما لتصحيح معلوماتهما فيه قبل أن يقدما لنا الدروس في طريقة تفسيرنا لقوانين بلدنا وللعلة مما جاء فيها.

2-3 – حول القول زعما بعدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية

يحذو المحاميان الفرنسيان للسيد محمد ولد عبد العزيز ، حذو النعل بالنعل زملائهما الموريتانيين الموكلين معهما ويتبنيان ما ذهبا إليه من زعم عدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية الذي صار منذ بعض الوقت هو “السلاح الفتاك” الذي يلوح به دفاع الرئيس السابق. والحجة الرئيسية لديهم للقول بعدم شرعية اللجنة تنطلق من موقف نظري صادم ، شديد السطحية ! فقد تذرعوا في ان الدستور لم

ينظم اللجان البرلمانية للتحقيق وبالتالي تكون اللجنة التي شكلت بالإجماع للتحقيق في بعض الملفات التي تظهر مدى حجم النهب المنظم لممتلكات الشعب الموريتاني وموارده خلال حكم موكلهم اعتبر دفاع محمد ولد عبد العزيز أن هذه اللجنة هي ، بالضرورة ، مخالفة للقانون واستنتجوا من منطقهم الغريب هذا أن “كل الإجراءات خارج القانون” بحسب نفس المحامين !

ولو اعتمدنا هذا الطرح القائل بعدم شرعية كل ما لم يبوب عليه حرفا في الدستور لأصبح جل نشاطات الدولة المقام بها فعلا خارجة عن القانون.

خلافا لهذا الطرح وحتى نرجع إلى قليل من الجدية فإن لجان التحقيق البرلمانية يحكمها النظام الداخلي للجمعية الوطنية الذي جعله الدستور بمثابة القوانين النظامية التي هي، في القانون الفرنسي ، مرجع المحاميين الفرنسيين ومستمدهما ، قوانين مكملة للقواعد الدستورية يراد من سنها تنظيم مختلف السلطات العمومية وبالتالي تعتبر أسمى من القوانين العادية. وللقوانين النظامية خصوصية أخرى فمقتضياتها تحسم كل جدل قانوني حول شرعية اللجان البرلمانية في موريتانيا إذ هي قوانين تخضع ـ حتما ـ قبل اعتمادها لنظر المجلس الدستوري للتأكد من عدم تعارضها مع الدستور. فالمادة 86 من الدستور تنص على ما يلي “تقدم للمجلس القوانين النظامية قبل إصدارها والنظام الداخلي للجمعية الوطنية قبل تنفيذه وذلك للبت في مطابقته للدستور.”

وبما أن النظام الداخلي للجمعية الوطنية خضع لرقابة المجلس الدستوري قبل إصداره ولما كانت هذه الهيئة القضائية قد اعتمدته واعتبرته مطابقا للدستور فكيف، والحالة هذه ، يمكن القول بعدم دستوريته؟ .

نذكر زملاءنا، بأنه ورد في المادة 87 من الدستور، ما نصه “تتمتع قرارات المجلس الدستوري بسلطة الشيء المقضي، لا يقبل أي طعن في قرارات المجلس الدستوري وهي ملزمة للسلطات العمومية وجميع السلطات الإدارية والقضائية”.

وعليه من غير المستساغ الطعن في دستورية اللجنة البرلمانية اللهم إلا إذا كان هذا الطعن منصب على شرعية الدستور من أصله ! وحري بنا أن عدم شرعية اللجنة البرلمانية لم تثر عند إنشاء اللجنة ولا خلال عملها ولا عند انتهاء مهمتها وإيداع تقريرها. فهل لا من الغريب أن يتم الطعن فيها بعد كل تلك المراحل؟ وعلى كل حال لا مسوغ اليوم لإبداء مآخذ قانونية على عمل هذه اللجنة بعد أن صار الملف بيد القضاء الذي هو، بحكم الفصل بين السلطات ، غير ملزم بما ورد في تقارير هذه اللجنة ولا بما خلصت إليه وهذا ما حدا بالنيابة العامة إلى أمر الشرطة القضائية بالقيام بالتحقيق الابتدائي، وبالتالي لا دليل يركن إليه ولا يمكن التعلل بعدم شرعية كل الإجراءات بزعم عدم شرعية اللجنة الذي لا قيمة له مثل باقي الحجج المثارة في وجه هذه المسطرة.

بماذا نختم مذكرتنا هذه؟

لقد فضلنا ، في ردنا على الرسالة المفتوحة التي نشرها يوم 03/10/2020 المحاميان الفرنسيان المدافعان عن السيد محمد ولد عبد العزيز، جعل الجدل حول الموضوع في سياقه القانوني المحض ، مستشهدين بالنصوص ومعتمدين على الفقه الدستوري الذي ينير مضمون هذه النصوص وما يترتب عن تطبيقها من اجتهاد قضائي وقياس جلي حدد معانيها ودلالاتها، فابتعدنا ، قدر الإمكان عن المراء والتجاذبات العقيمة. وقد دعانا زميلانا الفرنسيان “بتحد سافر” إلى مناظرة علنية معهما ولنا أن نتساءل ما الغرض المتوخى من نقاش مع من لا يحمل قانون بلده محمل الجد ويتعالى على زملائه الموريتانيين ويعرض بهم .

إننا، فضلا عن ذلك ، نرى أن مهام المحامي الجاد لا تكمن في البحث عن خلق السبق الإعلامي بأقل ثمن ممكن باللجوء إلى الذم والسب وتهديد الدولة ومؤسساتها وممثليها سبيلا إلى ذلك ؛ وننبه إلى أن الرهان في هذا الظرف بالنسبة لشعبنا الذي سلب من موارده ومقدراته أعظم من أن يكون الجدل القانوني حول الآليات القضائية المستخدمة لاسترجاع هذه الأموال والموارد مجرد وسيلة لحصول البعض على شهرة فيما وراء البحار بأقل جهد ممكن أو هي أدوار تسلية يوزعها مغامرون بينهم.

فريق الدفاع عن الدولة الموريتانية في ما بات يعرف بملف الفساد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق