الشيخ الفخامة الإشعاع العلمي والعطاء الروحي

انتشر الإشعاع العلمي والعطاء الروحي، لأسرة أهل الشيخ سيديا، انتشارا واسعا في كافة الدول العربية والدول الإفريقية، وتجاوز إلى أبعد من ذلك، نتيجة لكون مدرسة أهل الشيخ سيديا، كانت نموذجا فريدا في القارة السمراء وفي الصحراء الكبراء.

حمل مشعل هذه المدرسة النوعية، بدور من العلماء الأفذاذ، الذين انتشر صيتهم وتطايرت الركبان بأخبارهم، وضرب كثيرون أكباد الإبل من أجل الحضور إلى عطائهم العلمي وتربيتهم المتميزة، في مجال التصوف.

لا يستطيع أي كاتب أن يحيط بالمآثر، التي خص اللـه بها هذه الأسرة من البركة والصلاح، وما بذر اللـه في قلوب روادها من المعارف الربانية والعلوم الشرعية، حيث لا يشق لهم غبار في علم الشريعة وعلم الحقيقة على حد السواء.

تميزت أسرة أهل الشيخ سيديا، عن كافة الأسر الصوفية، في كثير من الربوع، بعدة ميزات نادرة منها، كونهم من حملوا مشعل المدرسة القادرية وتميزوا فيها تميزا منقطع النظير، وتضلعوا من علوم الشريعة، فلا ترى منهم إلا عالم لا يشق له غبار في علم اللغة والبلاغة والفقه والنحو والصرف والحساب.

تحدث المدونون والمؤرخون والمستشرقون، في كتاباتهم المتنوعة عن هذه الأسرة واتفقوا على أنها تحمل مشعل العلم والمعرفة، وأبرز من حملوا التصوف وحافظوا على نهجه وعملوا بالشريعة، وحافظوا عليها وذادوا عنها بأقلامهم وسيوفيهم.

لا يستطيع أي متتبع للكتابة والتاريخ والتدوين، أن يحصي مآثر أسرة اهل الشيخ سيديا من العلم والبركة والصلاح والكرم، الذين جبلوا عليه من منشأهم الأصل عادة وديدنا توارثوه كابرا عن كابر.

لا غرابة إذا حمل الشيخ سيدي محمد الملقب الفخامة ولد الشيخ سيديا، كل المآثر المتواترة عن سلسلة آبائه المتميزة، بالعلم والبركة والصلاح والكرم والجود والسخاء والعطف على الفقراء والضعفاء وتربية القلوب وغسلها، من أنواع الشوائب لتستجيب للمواظبة على الذكر وتلاوة القرآن وخدمة أهل الفضل والعلم.

أقف حائرا وأنا أمسك بالقلم، لأكتب عن أحد أبرز مشائخ الطريقة القادرية، في غرب أفريقيا وفي العالم العربي، الشيخ الفخامة ولد الشيخ سيديا، الذي حباه اللـه بميزات نادرة.

عرف عن الشيخ الفخامة، أنه عالم لا يشق له غبار، في العلم تضلع في سن مبكرة من العلوم الشرعية، حيث درس كل المتون التي تقرأ في المحاظر الموريتانية، من فقه ونحو ولغة وبلاغة ومقصور وممدود ومصطلح الحديث وعلوم الأصول.

تربى الشيخ الفخامة في بيئة صالحة، كانت معينا رئيسيا في كل ما وصل له من مراتب علية وأحوال سنية وأنوار ربانية وحكم شهية، أثمرت في قلب نقي طاهر تلقاها أحسن تلق وعمل بمقتضاها حسن عمل، مما جعله يصل إلى مرتبة المقطبة العظمى في سن مبكرة.

أصبح الشيخ الفخامة، عالما متصوفا يربي القلوب ويرشدها، إلى عبادة بارئها بكل تفنن ومهارة في إصلاحها لتعمل بمقتضى الكتاب والسنة وتنتهج نهج الأمة المحمدية، لتنير دواجي الظلام القاتم، بفضل النور الذي جعل اللـه في الشيخ الفخامة، شيخ زمانه ونادرة أقرانه.

الكرم والسخاء والجبلة والعطاء

 

جبلت القلوب على حبه، نتيجة لكون من أطاع اللـه طاعه كل شيء، ومن أحب اللـه أحبه كل شيء، ولا يساورنا أدنى أشك في أن تكون هذه الصفات كلها، يحملها الشيخ الفخامة، فالقلوب مجبولة على حبه، وقد حباه اللـه بمآثر طيبة وأعمال زكية.

عرف الشيخ الفخامة، بالكرم الذي تميز به عن جميع نظرائه من المشائخ والعلماء، ولا غرابة إذا كان كريما سخيا، فالرجل من معدن جبل أهله على السخاء والكرم والعطاء والشيم.

عرف عن الشيخ الفخامة، أنه يعطي عطاء صاحبه لا يخشى الفقر ولا يرى من بين المشيخة ولا الكرماء، من يعطي مثل عطائه الذي جبله اللـه عليه، فهو من الكرماء النادرين في هذا الزمان، الذي يتجلى فيهم قول الشاعر:
ما لا قط إلا في تشهده                   لولا التشهد كانت لاؤه نعم

تلامذة التجريد والخدمة

لا تزال الحضرة، التي أسس الشيخ الفخامة وأطلق عليها تسمية حضرة “البلد الأمين”، تحدث كل زائر عن خفايا وأمور لا يعلمها إلا المتصوفون، الذين سبق وأن خضعوا لتكوين صوفي على يد شيخ ماهر عارف للتصوف، تربية ومنهجا وسلوكا.

إذا وصل الزائر إلى هذه الحضرة الربانية، يرى تلامذة التجريد الذين يخدمون الشيخ ويخدمون كل قادم إليه بتقديم ما يحتاجه الزائرون من الأفرشة والأطعمة وأنواع الشاي الشهي، ومنهم من يجالسك مجالسة طيبة يتحدث فيها إليك عن كرامات الشيخ وآبائه وما حباهم اللـه به، من كرامات خارقة للعادة.

يواظب تلاميذ الخدمة على أمور قلت في هذا الزمان، الذي نعيش فيه قلوب عامرة بحب الـله يذكرون ذكرا يطمئن له القلب وينعم به أشد نعمة، يذهلك عن الدنيا وزخارفها وتعيش في راحة بال وطمأنينة، لا تشعر بها إلا وسط البلد الأمين وبين التلامذة الذاكرين مما يجعلك تستحضر قول اللـه تبارك وتعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدواة والعيش يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}.

ينشغل تلامذة التجريد مع الخدمة، بحلق الذكر، التي يواظبون فيها على ذكر اللـه بأصوات جميلة تذهل السامعين وتبهر الحاضرين، نتيجة لما كونهم عليه الشيخ الفخامة من الديمومة على ذكر اللـه، الذي هو مركز الاطمئنان والراحة {ألا بذكر الـله تطمئن القلوب}.

المحظرة والتلاوة وتدريس النصوص

لم تكن زاوية الشيخ الفخامة، بالزاوية العادية بل تجد فيها إلى جانب الزاوية محظرة نموذجية تدرس أنواع العلوم الشرعية وكل الفنون والمتون، التي تقرأ في المحظرة بأحسن منهج يستطيع الطلاب أن يستفيدوا من تدريسه، على يد شيوخ ماهرين متفنين في التدريس.

يقدم العلامة الشيخ الفخامة دروسا، بشكل دائم للطلبة في كل الفنون والمتون، التي يدرسونها رغم مشاغله الجمة، لا ينشغل عن تدريس الطلاب وشرح لهم كل عويصات المتون المحظرية، التي تحتاج إلى شيخ ماهر في تدريسها.

ضمن المحظرة النموذجية، الواقعة في البلد الأمين قراء يقرئون القرآن ويرتلونه ترتيلا تعلموه على مشائخ متخصصين في فنون القرآن وتدريسه انتدبهم الشيخ الفخامة لهذه المهمة النبيلة، المتمثلة في تعليم الناس كتاب الله عز وجل بأسلوب متميز في كافة المراحل المعروفة، لدى سكان الأراضي الشنقيطية.

تبدأ المرحلة الأولى، في المرور بالقرآن بشكل كامل، وهي التي يطلق عليها مرحلة “الذهابة” ثم المرحلة الثانية وهي مرحلة أساسية للحفظ ويطلق عليها “العلة”، وبعد هذه المرحلة يبدأ التلامذة قراءة الرسم وذلك من أجل أن يتعلموا رسم القرآن الكريم، ليكتبوه بكتابة صحيحة دون أن يفسدوا كتابة أي كلمة من المصحف الشريف.

بعد مرحلة الرسم تبدأ المرحلة الثالثة، المتمثلة في إعداد التلميذ لكتابة لوحه ثم يقوم بعرضه على الشيخ، ليقرأه كلمة كلمة وسطرا سطرا ويبدوا ملاحظاته حول رسم الكلمات وضبطها، هل رسمت وضبطت بشكل صحيح.

بعد هذه المرحلة تأتي مرحلة التطرق على تعلم المقرئ، الذي تقرأ به غالبية أهل بلاد المغرب العربي وهو قراءة الإمام نافع رضي اللـه عنه.

في البلد الأمين تجد أنواع الطلبة والتلامذة القادمين، من مختلف القرى والبلديات والتجمعات السكنية، والعواصم والدول ويتولى الشيخ الفخامة كافة حاجياتهم من أكل وشرب وملبس طيلة مقامهم، في محظرة البلد الأمين، لا فرق عنده بينهم وبين أبنائه وأبناء أخوته.

الضيوف وأصحاب الحوائج

يتوافد إلى حضرة “البلد الأمين” من الضيوف وأصحاب الحوائج، كثير من الناس يتجمهرون وسط قرية البلد الأمين من أجل لقاء الشيخ الفخامة قصد التبرك وقضاء الجوائح، أعد الشيخ منازل خاصة للضيافة يبادر تلامذته بالترحيب بكل قادم ويباشرون خدمته وإحسان وفادته، بإشراف من الشيخ نفسه.

يكرم ضيوفه إكراما نادرا يبالغ فيه أنواع الإكرام، يجالسهم ويزيح عنهم كابوس تعب السفر بالحديث العذب والمداعبة وحسن التوجيه، يستفيد الضيوف من مجلس العلامة الذي حباه اللـه بعلوم الظاهرة وعلوم الباطنة يوزع عليهم الفوائد الكثيرة.

يتعامل مع الجميع بصدر رحب، يفرح بهم أشد فرح بقدومهم ويحسن تعاملهم، ويقدم لهم أنواع طيبات الرزق من التمور واللحوم والألبان، مجسدا قول الشاعر: إنا إذا ما الضيف حل بساحنا ضحكت بنا عن درها الأيام.

وتنافست فينا بديعات الندى إن الكرام يشوقها الإكرام بعد أيام الضيافة يطلق الشيخ الفخامة، الراغبين من الضيوف في مغادرة حضرة “البلد الأمين” ومن كان منهم له حاجة تقضى حاجته، التي قدم من أجلها مهما كان نوعها وشكلها.

بقلم: أحمد ولد طالبن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق