مُلاحظات سريعة حول مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة

طالعت مشروع القانون الجديد المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي جاء بعد زحفٍ طويل على درب التحديات مبثوثا في 87 مادة، تضمت مقتضيات جديدة في غاية الأهمية. وبناءً على اطلاعي على هذا المشروع؛ سأحاول في هذا الورقة -إثراءً للنقاش انطلاقا من الشعور بمسؤولية التفاعل التي يُمليها واجب المشاركة والمساهمة في تهذيب الخطاب التشريعي- أن أبدي مجموعة من الانطباعات والملاحظات بشأنه.

لكن، قبل ذلك، يتراءى لي، أنه إجباري منهجيا أن أُقدِّمَ عنه بشيءٍ من الإيجاز؛ بنية تصورية تُتيح لي ما يُمكن أن أسميه “شرط التحكيم” في هذه المُلاحظات والانطباعات المتواضعة. سبيلا إلى ذلك؛ ستكون البنية التصورية على النحو التالي :

على الصعيد الطُبوغرافي؛ تمثَّل المشروع رمزيا في نص خُماسيِّ الأبواب، خُصِّصَ الأول من أبوابه للأحكام العامة، والثاني لشروط ومعايير الانتساب، فيما خصص الثالث والرابع لوضعيات المحامين، ومهامهم، والضمانات الممنوحة لهم.. أما الباب الخامس؛ فقد أفرد لتنظيم الهيئة. بدءًا بتحديد هياكلها، مرورا بسلطاتها، انتهاءً بكيفية انتخاب النقيب وأعضائها.

على الصعيد الشكلي، صيغَ المشروع بلغة دقيقة، وبأسلوب جيد، وإن كان استسرسل في جُزئيات كان الأولى تركها للنصوص المطبقة.

فيما يتعلق بالقيمة التشريعية المُضافة؛ يُمكن القول إنّ المشروع، كان صرخةً تشريعية في وجهِ الازدراء الذي كان يُعانيه المُحامون جرّاء “كمالية” وجودهم كمدافعين أمام بعض الهيئات والمحاكم. وإلى ذلك، يمكن أن نُضيف، على سبيل الإشادة والثناء؛ أن المشروع بالإضافة إلى ما سبق؛ تضمّن مقتضيات في غاية الأهمية ستساهم بشكلٍ كبير في تطوير الأداء القضائي.. والأهم من ذلك أنه لم يكن، فيما يتعلق بانتاجه؛ مجرد تجربة تشريعية وليد نسخ، كما هو الحال في معظم النصوص الوطنية، وإنما كان وليد ابتكارٍ ذاتي، شكل منعرجا إيجابيا في المسار التشريعي الوطني.

فيما يخُص البعد المتعلق بعدالة المشروع، و”شرط السريان” الذي يفرضُ الحد الأدنى من الإجماع؛ هناك مسألتان يفرض السياق الإشارة إليهما وإن بإيجاز :

أما الأولى، فهي عدم احترام ضوابط الإجماع في صياغة المشروع، ذلك أنه غاب في مرحلة تحضيره النقاش والتشاور، والانفتاح، وهو أمر مُخيِّب للآمال، لكونه لا يُتوسم في المحامين -وهم المفترض فيهم الوعي والحرص على التشاركية في الشؤون العامة- أن يستأثروا بوضع مشروع قانونيٍّ دون مشاركة المعنيين به من قضاة، وأساتذة، وباحثين، سبيلا إلى رؤية جامعة مانعة تُراعي تنوع التصورات واختلاف الفئات المنتسبة -والمتحمل انتسابها- للحقل.

أما المسألة الثانية؛ فهي أن هذا الاستئثار -أو على الأصح هذا الاستخلاء- الذي انتهجوه واضعو المشروع في صياغتهم له دون إشراك المعنيين؛ ترتب عنه ظُلم، وحيف، وفي آحايين أخرى -نظرا لتفاوت المراكز القانونية داخل الحقل- تعالٍ وأنانية لا يَليق بمن يتصدى لوضع النصوص التشريعية أن يتسم به.

وفيما يلي سأحاول؛ أن أضع بين يدي القارئ توضيحا لذلك، ثم بعد ذلك أشرع في أبداء الملاحظات مركزا على أهم ما كان يحملني الفضول على الوقوف عليه في المشروع، وهو المقاربة المتعلق بالانتساب في مسابقة الاكتتاب، والهيئة وسلطاتها.

أولا : حول الظلم، والحيف، والتعالي اللائي أشرتُ إليهم.

كنت قد أشرتُ قبل قليل، إلى أن غياب الحوار، وعدم إشراك الفاعلين القانونيين من غير “الفئة الممارسة” كالقضاة، والأستاذة، والباحثين؛ ترتب عنه ظلمٌ، وحيفٌ، وتعالٍ كشف عنها المشروع بشكل واضح وجلي. ولئلا يبقى الكلام مجرد افتراء إليكم مظاهر ذلك وأمثلته :

فبخصوص الظُّلم والحيفُ، فقد تجلّيا في المقتضيات ذات التوجه الإقصائي التالية :

1- المادة 7، التي زادت مدة الممارسة التي كانت مشروطة في ولوج القضاة لحقل المحاماة بخمس سنوات (5). فقد كانت هذه المدة عشر سنوات في القانون المُلغى، ووفق القانون الجديد أصبحت خمسة عشر سنة.

والواقعُ أن المدة التي كان يشترطها القانوني المُلغى؛ هي الأعدل والأنصف. ذلك لكونها كافية لاكتساب الأهلية التامة للالتحاق بسلك المحامين، وذلك للاعتبارات التالية :

أولا : أن القضاء لا يلجه إلا حاصل على شهادة الماستر أو ما يُعادلها في القانون أو الشريعة. (الباكالوريا + 5). وهو ذات المؤهل المطلوب لولوج المحاماة.

ثانيا : يتكون القاضي ثلاث سنوات يجمع فيها بين النظري والتطبيقي. (الباكالوريا + 8). وهي نفس المدة التي كان يقررها القانون المُلغى قبل أن يقلصها المشروع الجديد بسنة.

ثالثا : يتعهد المتقدم إلى القضاء بالخدمة عشر سنوات كاملة. وهي مدة أكثر من تلك المقررة للمحامي الجديد ليكون مؤهلا للالتحاق بالسلك العالي. (الترافع أمام المحكمة العليا).

فواضح من هذه المقارنة أنّ المدة التي يمر بها القاضي في تكوينه وممارسته؛ أكثر بكثير من تلك التي تتطلبها ممارسة مهنة المحاماة وفي سلكها العالي أيضا، وهذا يعني -على الأقل نظريا- أنّ القضاة أكثر تكوينا من المُحامين.

وهنا، يتراءى لي، أنه من حق القضاة، أن يتساءلوا، عم الذي يُمكن أن تُفسر به زيادة المدة المشروطة عليهم لولوج المهنة غير الإقصاء؟.

الحقيقة أنه لا مبرر لهذه الزيادة، فالأولى ترك المدة كما كانت دون زيادة أو نقصان، ذلك للاعتبارات التي ذكرت، وبالإضافة إلى ذلك، لملاءمتها أيضا للمدة التي يلزم القانون الموظفين العموميين بالتعهد بالخدمة طيلتها، وهي المنصوصة في المادة 14 من المرسوم رقم 2011/032 المحدد لنظام التدريس والتكوين بالمدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، حيث ورد فيها ما نصه : (يجب على المترشحين الذين نجحوا أن يوقعوا، قبل دخول المدرسة، على التزام بخدمة الدولة لمدة عشر سنوات بعد التكوين).

2- المادة 9، التي زادت هي الأخرى مدة الممارسة المشروطة لالتحاق أستاذة التعليم العالي بسلك المحاماة بثلاث سنوات. فقد كان القانون المُلغى يشترط سنتين فقط.. وهي الأعدل في نظري، والأبعد عن تهمة الاحتكار وعرقلة الولوج للمهنة.

والحقُّ أنه لا شيء أدعى للضحك، من أن يكون من بين المحامين فئة ولجت الحقل عن طريق دفع رسوم، وهي غداتئذ أجهل الناس بالقانون، بل فيهم من كان وقتئذ لا مؤهل علميا له، ومع ذلك يُفرض على الدكاترة المبرزين الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتحصيل، بالإضافة إلى مسيرتهم العلمية؛ خدمة خمسة سنوات لولوج المحاماة.

3- المادة 15، التي مَوضعة المحامين في ثلاث رُتب، حيث صنفت فئة في رتبة المعتمدين لدى المحكمة العليا وهي الرتبة العليا، وفئة في رتبة المعتمدين لدى محكمة الاستئناف وهي الرتبة الوسطى، وثالثة في رتبة المتدربين وهي الدنيا. والحقيقة أنّ هذه التراتبية وإن كانت شائعة في التشريعات اليوم، لا تتلاءم مع واقع المحاماة في موريتانيا. ذلك أنه معلومة لدى الجميع؛ التحديات البالغة التي يُعانيها المحامون الجدد في ميدان الممارسة. والتي غالبا ما تدفع الكثير منهم إلى الاستسلام والتخلي عن المزاولة. وتتمثل أهم هذه التحديات في المسائل التالية :

– انعدم الثقة في المحامين الجدد نتيجة لضعف تكوينهم العملي، الذي يعود نصيب الأسد فيه إلى عدم احترام المشرفين على تدريبهم بواجباتهم تجاههم.

– غياب التعاون في الحقل، نتيجة غريزة الاحتكار المتحكمة في غالبية القدماء ذوي التجربة.

– الصعوبات المالية التي تُواجه المحامين الجدد، نتيجة العبودية التي يتعرضون لها خلال فترة التكوين باسم التدريب.

– ضعف الوعي الحقوقي لدى المتقاضين، وانعدام الثقة في الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، الذي افضى إلى تلقائية اللجوء إلى المحكمة العليا. ما يعني أن المحامي الذي لا يستطيع أن يُواكب الملفات أمام المحكمة العليا سيقتصر دوره على المهجور من القضايا (حالات الانتداب) التي لا تُسمن ولا تغنيه من جوع.

هذه التحديات معلومة لدى الجميع، وهي كابحة لتطلعات الممارسين القدماء، فمابالكم بالمؤلفة قلوبهم المحامين الجدد؟.

4- المادة 29، التي نصت على منع المحامين القضاة من التعهد في القضايا المنظورة أمام المحاكم التي عملوا بها خلال الثلاث سنوات الأخيرة من مسارهم المهني. ذلك أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، وجود تفسير لهذا المقتضى -في ظل أبديته- سوى أنّه تضييق متعمد على القضاة. فلكم أن تتصوروا -مثلا- أن القاضي المنخرط مؤخرا في مهنة المحامي قضى آخر محطاته المهنية في المحكمة العليا..!! هل يُعقل أن يظل هذا المحامي (القاضي سابقا) طيلة مشواره المهني لا يتعهد في القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا لا لشيء سوى أنّه عمل فيها آخر مساره المهني؟.

هذا بخصوص الظلم والحيف، أما التعالي الذي أشرتُ إليه، فيُلاحظ جليا وواضحا في التجاهل المُهين وغير المبرر لوضعية المحامين المتدربين الحاليين.. ذلك أنه لم يخطر في بال واضعي المشروع أن في الحقل متدريبون، من حقهم -كمحامين متمتعين بالمركز القانوني- أن يلمسوا ذواتهم في المقتضى الجديد. ذلك أن عدم ذكرهم؛ يعني أنّهم غير معنيين به، لا في تقليصه لمدة التكوين، ولا في موضعته للمحامين. وعليه فما دام المشروع؛ لم ينص على سريانه في حقهم، فإن القاعدة -كما هو معلوم- تبقى عدم سريان القانون بأثر رجعي. وهذا يعني أن هؤلاء المتدربين، يعيشون الآن في منطقة تشريعية برزخية معقدة، فقد فُض الارتباط بينهم بالقانون القديم بالغائه، وسُدَّ الباب أمامهم بالتجاهل في الارتباط بالجديد.

هذا التجاهل؛ حمل شُحنة ازدراء عميقة لهذه الفئة من المحامين. فلا معنى إطلاقا لخلو المشروع الجديد -وهو الذي تضمّنن 87 مادة- من أي مقتضى يتناول وضعيتهم إذا ما استثنينا المادة الوحيدة التي جاءت بشكل مهين لموضعتهم في ما دون العتبة.

فما الذي يمكن أن يُفهم من هذا التجاهل غير أن الباعث للمشروع، ما كان كما يُراد لنا أن نفهم؛ بقدر ما كان تشريعا لمصالح وتطلعات ثُلة ضيقة معلومة المراكز، جلية المساعي. ألم يكن الأولى بواضعي المشروع -طالما أنهم يتبنون، أو على الأصح يزعمون أنهم يتبنون توجها إصلاحيا تفترض فيه الشمولية- إعادة النظر في الوضعية المزرية للمحامين المتدربين؟.

ثانيا : الملاحظات.

في هذا المحور سأقدم -دون تعمق- ملاحظات سريعة بشكل موجز راجيا أن تؤخذَ -بالإضافة إلى ما أسلفت- بعين الاعتبار. وعليه، ستكون على النحو التالي :

حول معايير الانتساب..

خلط المشروع بين شروط الاكتتاب، وشروط الممارسة، فأوردها بشكل مجمل تحت عنوان “شروط الانتساب”. في حين أنه كان الأصوب في نظري؛ أن يقسم هذه الشروط إلى نوعين توخيا للمنهجية والدقة. فتكون على النحو الآتي :

– شروط الاكتتاب، ويقتصرها على :

الجنسية وما يُعادلها – الأهلية القانونية والأخلاقية – الإقامة – المؤهلات العلمية.

– شروط التدريب والممارسة. ويصنف تحتها :

تقديم التعهد بقبول التدريب – دفع رسوم الانتساب – عدم مزاولة الأعمال المتنافية مع مهنة المحاماة.

هذا الخلط يضع القارئ أمام ضبابية في وضوح إرادة المشروع في ما يتعلق باشتراطه لعدم ممارسة المنتسب مهنة تتنافى مع مهنة المحاماة؛ هل هو اشتراطٌ لولوج المهنة كما هو ظاهر من النّص، أم لممارستها كما هو الحال في القانون المُلغى؟ إذا كان الأول؛ فهذا معناهُ أن الموظفين، وكل العاملين في أي نشاط منافٍ لمهنة المحاماة؛ لا يحق لهم الترشح لمهنة المحاماة. وهذا إقصاء يُشير إلى توجه احتكاري غير شريف. وأرجح أن يكون هو المقصود، ذلك لكونه واضحا من النّص، وتعضده نبرة الإقصاء التي خُوطِب بها القضاة، والأستاذة. وإن كان المقتضى الذي بُث فيه؛ جاء خجولا.

حول الهيئة وعلاقتها بالمحامين..!

بالغ المشروع في تمكين الهيئة، وتوسيع صلاحياتها، دون توفير أي ضمانات للمحامين، في مقابل ذلك، وهذا في نظري سيكونُ له دور سلبي في الحياة المهنية، لما انطوى عليه من العوامل التي تؤدي إلى التعسف.. فمن مظاهر هذه العوامل -على سبيل المثال- ما ورد في المقتضيات التالية :

1- المادة 22، التي نصت على أن الاعتماد للترافع أمام المحكمة العُليا، يشترط فيه إصدار الهيئة قرارا يمنحه وذلك بعد توفر شروطه. ففي ظل عدم تحديد الظرف الزمني الذي يجب أن يصدر خلاله القرار بعد تقدم المعني بطلب الاعتماد، وفي ظل غياب مسطرة البديل؛ يكون تعسف الهيئة واردا، خصوصا أن المشروع لم يقدم أي ضمانات لتنجبه قبل وقوعه، ولا أية آليات للتصدي له بعد وقوعه.

2- نفس المأخذ الذي أخذته على المادة السابقة، ورد في المادة 27، حيث نصت هي الأخرى في فقرتها الأخيرة، على اشتراط إذن النقيب، في حالة ما إذا كان المحام في صدد القيام بمهام مأجورة مؤقتة لصالح الدولة أو إحدى المؤسسات العمومية أو المجموعات المحلية. وذلك دون تقديم أي بديل في حالة ما إذا تعسف النقيب، فماطل المعني، أو رفض إعطاء الإذن دون مبرر. وهو ما يعني أنه يُمكن أن يستغل النقيب هذه السلطة لتفويت الفرص على المحامين الذين تربطه بهم “محبة في غير الله”. وأعتقد أنه في الظرف الحالي توجد أمثلة حية لهذه المحبة في غير الله بين النقيب وبعض أفراد الأسرة المحامية.

وخلاصة القول باختصار، أن المشروع، على أهميته، طغت عليه نزعة الإقصاء، فسلبته قيمته التشريعية، التي لا يمكن تحققها إلا بتوفر الحد الأدنى من التجريد والعمومية، وهو ما لم يتسم به المشروع للأسف، ذلك أنه -كما هو واضح في مقتضياته- جاء أساسا لعرقلة الولوج إلى المهنة. وهو ما نلمسه واضحا وجليا في التوجه الإقصائي غير الشريف، الذي سلكه في كل مستجداته. وهو قطعا توجه تشريعي لا يليق برشد ونزاهد القاعدة القانونية الراشدة. وعليه، نهيب بالبرلمان الذي سيحالُ إليه المشروع؛ أن يُحكم ضميره، ويستحضر المسؤولية الجسمية الواقعة على عاتقه تجاه الشعب والأمة، فلا يُصادق على مشورعٍ جائر ستكون عواقبه وخيمة على المسار الحقوقي في هذه الربوع.

بقلم: محمد سالم ولد بلاه

 


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق