“الأحباب ” رحلة عطاء ودعوة .. في موريتانيا

في مجملها الشرائع السماوية المختلفة تأتي لتؤكد على حقيقة واحدة هي أعظم حقيقة في الكون ومحور الرسالة الموحد لدى رسل الوحي جميعا ، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (1)  . إنها حقيقة التوحيد التي تنوعت أساليب وطرق عرض الدعوة إليها والتأكيد عليها من نبي إلى نبي ومن رسول إلى رسول ومن قوم إلى قوم، وليست شريعة الإسلام الخاتمة بعيدةً عن هذا الطرح العقدي و الأسلوب الإلهي الموجه في عرض هذه الحقيقة الخالدة مراعاةً لتنوع مشارب الناس وأفكارهم وشبههم، يقول تعالى: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } (2)

في الجملة والتفصيل تبدو أساليب القرآن الكريم الدعوية شاملة في عرض توجيهها الداعي إلى تعاون الأمة بجميع طبقاتها وآحادها كما ” تتعاون الوظائف الحية في البنية الحسية ” ، إذ من المنظور الموضوعي يكون فضل الممتازين فيه على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبقدر هداية الداعين للعامة يكون الخطاب قد أدى مقصوده الموجه إلى كل عرق وحضارة ولغة ولون ليهتدوا إلى فحوى رسالة الوحي ، ولتكون السمة العالمية في خطاب الدستور الجامع ( القرآن الكريم )  وأسلوبه الدعوي بارزةً منذ بزوغ شمس الدعوة في عهد المؤسس الأول محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، حيث مرت بمراحلها من السرية إلى الجهرية وصولا إلى اعتناق العربي الإسلام مع الحبشي والروماني مع الفارسي ، ليبقى ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم مخاطبين بلزوم حمل الدعوة وأداء الرسالة باعتبارها زادًا للمسلم في رحلة الدعوة ومشوار الداعية كما يرشدنا التوجه القرآني في سياقاته البيانية، وذلك من خلال أساليب خرق حجب الشبهات التي تحول دون وصول نور الحق لتبديد ظلمات القلوب . ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين ) .

بعد عقدين من الزمن استوت فيهما سفينة الدعوة على جودي الهداية والسلم والسلام واقتطف الجميع من ثمار شجرة  ميراث النبوة بعيدا عن الأضواء ، مع كل ذلك لايحب الأحباب ربط تأسيس الدعوة بالشيخ إلياس بقدر مايرون أن الله أجرى عليه ترتيب الدعوة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم بما يناسب العصر، ثم تعلم الناس منه ، فهي ليست جماعة ولافرقة ، هم مسلمون من المسلمين عملوا بالدعوة إلى الله تعالى على هذا الترتيب .

التجديد …. ومظاهر الاختلاف

نتيجة التأثيرات التي تصاحب كل فكرة بضرورة إضفاء مسحة تجديد عليها من طرف الراعي الأول وفق مايفرضه السياق الذي جاءت فيه ، فقد تبلورت لدى الشيخ إلياس فكرة مغايرة لفلسفة الحركات الأخرى التي كانت تعتمد عليها كمصدر قوة بالنسبة لأي عمل جماعي يطمح أصحابه للاستمرار، خصوصا في جانبه المادي ، فبدلا من اعتماد الشيخ علىى بند التبرعات وتحصيل الأموال الوقفية والمشاريخ الخيرية كوسائل ضروية لتفعيل نشاطات الجماعة ، عدل إلياس عن ذلك إلى تكريس مفهوم يأخذ بآلية الاستعداد وبذل الجهد والطاقة سعيا إلى تحصيل شروط الدعوة والتبليغ وماتتطلبه أدبيات الجماعة ونظامها من تضحية بالمال والوقت تجسيدا لمبدإ ( الاكتفاء الذاتي ) الذي يعني امتلاك كل خارج أوداعية متطلبات حياته ومؤونته الخاصة .

كما تجلت مظاهر التجديد أيضا في فكر الشيخ إلياس من خلال إقصائه العنصر السياسي دعوة وممارسة من توجه الحركة ، إذ السياسة عنده هي ترك السياسة ومتعلقاتها التي تفضي إلى الخلافات الفكرية والمذهبية ، وهي أمور تبتعد عنها الجماعة اتقاء للجدل ، وإن رأى الناقمون عليها تركيزها على جانب الرقائق دون تعليم الأحكام الفقهية والشمولية في الدعوة والتوسع في الطرح والانفتاح في الممارسة .

” الأحباب ” ورحلة الدعوة …. في موريتانيا

في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وصل شعاع جماعة الدعوة والتبليغ إلى موريتانيا قادما من شبه القارة الهندية التي كانت رحم الحركة ومحلا لولادتها ، حيث يعود جهد وضع الأركان النظرية والتصورات العملية لتأسيس جماعة الدعوة والتبليغ ” في الواقع ” إلى الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي (1886م -1944م ) رحمه الله ، كان ذلك في منتصف العام 1926 بمدينة ” كاندهلة ” التي كانت شاهدة على المراحل الأولى لجولات الشيخ الدعوية ونشربرنامجه التربوي المجدول بأساسيات الصفات والأصول والمرتكزات كالتحلي بأخلاق الصبر والتحمل والمبيت في المساجد ، والتجول عصر كل يوم على البيوت والأسواق ، وإلقاء الخطبة البيانية بعد صلاتي الفجر والمغرب ….

في بداية الأمر كان شكل المنضوين في حقل الدعوة مثار استغراب لدى ساكنة نواكشوط عاصمة البلاد ، بحكم توفير لحاهم وقصر ثيابهم ودعوتهم الناس إلى الصلاة في المسجد شيبا وشبابا ، فضلا عن تقبل الناس للقيام بمهمة الأمر بالمعروف وتغيير المنكر وحجاب النساء ” المستورات ” والقناعة بمفهوم فكرة الخروج والتخلق بآداب الهدي النبوي الشريف . ولكن سرعان ما احتضن الأئمة من أمثال العلامة بداه بن البوصيري رحمه الله ، أفراد الجماعة ووقف إلى جانبهم بتبيين صوابية منهجهم ونبل رسالتهم التزكوية  .

في السياق نفسه حدثني شيخي النحوي التاه بن يحيى حفظه الله ورعاه ، أنه عايش البدايات الأولى لانتشار الدعوة التبليغية في البلاد ، يوم كانت محل جدل فقهي وثقافي كبيرين ، ما دفع بالإمام الراحل الشيخ محمد الأمين الحسن رحمه الله وهو– أحد شيوخ الدعوة في البلد – إلى استدعاء العلامة والولي الصالح محنض بابة بن امين الديماني أمنه الله ، إلى جامع الشرفاء الذي يؤمه الراحل بن الحسن ، من أجل إلقاء محاضرة علمية -هي الأولى والأخيرة – للشيخ محنض بابة ، يقول الشيخ التاه ، وذلك للإجابة على بعض الإشكالات المطروحة والتي كان من أبرزها موقف العلماء من الخروج مع من يسمون حينها بالدعاة ؟؟ فلما حان دور الأسئلة جاء السؤال عن جماعة الدعوة والتبليغ في المقدمة ، فلم يزد الشيخ محنض بابة في رده على السؤال على ايراد أبيات للحطيئة سارت بها الركبان وترددت في الآذان كثيرا :

هم النفر الغر الذين وجوههم *** من الداء تستشفي بها الأعين الرمد

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ***  من اللؤم أوسد المكان الذي سدو ..!

وللعلامة وإمام الجامع الشيخ أحمدو حبيب الرحمن موقفه الثابت تجاه الجماعة والذي كثيرا ما ترجمه في أبياته الشهيرة :

من ظن أن جماعة التبليغ ***  جاءت بأمرليس ذا تسويغ

ظن الظنون بهدي خيرمبلغ *** أوحى الإله إليه بالتبليغ

لله هاتيك الجماعة فرغت *** منها نفوسا أحسن التفريغ

تدعو إلى الرحمن دعوة حكمة *** بجميل قول في النفوس بليغ .

ينتبذ الأحباب مزلة وسطا بين المتصوفة باعتبارالزهد رهانا لهضم النفس وميزة أساسية في رياضة المسكنة والتواضع  والإسلام السياسي ..حتى سماهم بعض العلماء المشرقيين ب ” متصوفة العصر ” . ورغم العوائق والتحديات التي يواجهها الأحباب وصلت في العام 2012 إلى مقتل 9 شهداء من الجماعة شمال مالي في حادثة مفزعة…فقد شهد فرع الجماعة في موريتانيا توسعا بارزا مكنها من الوصول الى أكبر قاعدة جماعية في الأوساط المثقفة والشعبية الموريتانية ، كما تربى في صفوفها زعماء الدعوة ( مشائخ الأحباب القدامى ) مستلهمين من قاعدة التركيز بأنه بصلاح الأفراد يسهل زوال المنكر من المجتمعات ويستطيع الداعية تربية نفسه وأهله وصقلهم عمليا في بئة تصل حد التأثر في مساطرها العملية بمصطلحات ومفاهيم مؤطري الحركة في الهند وباكستان وفق البيانات التالية :

الأعمال الجماعية وتشمل :

-البيانات : وتعني عندهم المحاضرات التي يلقيها أفراد الجماعة عقب بعض الصلوات من أجل التذكرة والموعظة والترغيب في الدعوة إلى الله والخروج في سبيله .

-قراءة في كتابي رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم للإمام يحيى النووي ، وحياة الصحابة لمؤطري الحركة محمد يوسف الكاندهلوي رحمهما الله .

-حلقة التجويد : وتتناول تصحيح سورة الفاتحة وقصار السور .

وفي اجتماعهم السنوي تتضمن أجندة الجماعة بعض الأعمال الجماعية الأخرى المتعلقة ب :

-تبيين الأحوال المتمثل في تقديم تقاريراستقصائية تتضمن ذكرأعداد المساجد التي تحييها الجماعة وتتعهدها بالتعمير، والمنتسبين لها والخارجين منها ، والتطورات على مستوى النواقص والنتائج التي يحققها مركز كل ولاية ، ويقدم هذه الإحصائية عادة قدامى الجماعة بمعدل ” أمير” عن كل مقام ، إذ يهدف من خلالها مسؤولو الجماعة إلى إطلاع ضيوفهم من الخارج على طبيعة نشاط الجماعة وتطوره داخل البلاد .

-الإشراف على تسيير مئات القوافل الدعوية الخارجة داخل البلد وخارجه ، وذلك حسب نظام الخروج التراتبي للجماعة بدءا بثلاثة أيام وانتهاء بسنة كاملة .

-مراجعة المنهج وتعديل البرنامج في جزئية الخروج ، والترغيب في خدمة الدين والتضحية من أجله بالدعوة إلى الخروج في سبيل الله لكونه وسيلة من أهم أدوات الجماعة لتبليغ الدعوة وتوصيل الخطاب إلى عامة المسلمين ، وإن كان الخروج ليس هدفا في حد ذاته بقدر ماهو وسيلة لتعلم اليقين وزيادة الإيمان .

ويختم هذا الاجتماع السنوي الذي يحجه الجميع من مختلف أصقاع العالم ، بتوجه عشرات آلاف العلماء والفقهاء والدعاة والأئمة إلى الله عز وجل بالتضرع والابتهال إليه من أجل صلاح أحوال الأمة البشرية جمعاء ، إيذانا بإسدال الستار على أربعة أيام بمركزالتوبة ( مسجد الدعاة ) أكبر محطة للجماعة في البلاد ، أيام يملأها الأحباب بورشات الهدى والتقى والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بأنواع الطاعات والقربات إلى خالق الأرض والسماوات . نسأل الله أن يوفقنا لكل خير والعجلة إليه سبحانه ، وعجلت إليك رب لترضى .

أولئك قوم إن بنو أحسنوا البناء *** وإن عاهدوا أوفو وإن عقدوا شدو .


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق