الكاتب: وحدتنا الوطنية : بين الإختفاء والجفاء

موريتانيا هذه الدولة الوحيدة من عالمنا البرزخي ؛ التي لازالت تمارس فيها العبودية ؛ لابشكلها القديم وإنما تتخذ أشكالا معاصرة ؛ وخاصة العبودية الوظيفية  الإداراتية التي كرستها وجسدتها الأحكام الماضية ؛ ولهذا تكاد تكون التعيينات والترقيات في السابق علي أساس العرق او اللون والمكانة الإجتماعية ( أولاد لخيام لكبار )  وحتي  أيامنا هذه وان  كنا نشاهد بين الفينة والاخري  نوعا من سياسة الطلاء  الخجول للتخلص من هذه الظاهرة السيئة المكرسة  لدولة النفوذ  علي  الطريقة  الانتقائية ؛ إلا انها لا تزال موجودة في إدارتنا المترعة بالزبونية التي يطغي عليها الطابع القبلي / الإثني  مما يوطد مسألة العبودية الإداراتية والتبعية المطلقة التي لاتراعي الكفاءة والجدارة في انتقاء أهل الكفاءة والتجربة والخبرة الميدانية  ؛ فالعبودية وإن كانت حسب البعض لم تكن موجودة إلا كمخلفات ؛ إلا أن آثار المخلفات من الصعوبة بمكان إزالتها وبرؤها ؛ لأنها تبقي عيانية بادية وإن تم القضاء علي معضلة العبودية ؛ فهي لها انعكاسات سيكولوجية ونفسية علي ضحاياها بالاضافة الي الآثار الاقتصادية التي يمكن محوها عن طريق دمج هؤلاء  في الحياة ا لنشطة ؛ إلا أن المخلفات تبقي هي هي لا يمكن برؤها ؛ فالعبودية إذن  تتمظهر و تتخذ شكلا مغايرا  للعبودية التقليدية ؛ مثل العبودية المنزلية اللامقننة  والاتجار بالبشر …إلخ ؛ ونظرة خاطفة للوراء علي مستوي إدارتنا ؛ حيث يتم  تخصيص بعض  الإدارات والوزرات السيادية لبعض الفئات ؛ وكأنها ملك أزلي وهوما دأبت عليه جل الحكومات التي تعاقبت علي الدولة  الهرمة العجوز ؛ التي أنهكتها أنامل الفساد ومع  ذلك لاتزال  حية  ترزق .

وهنا لابد أيضا من إلقاء نظرة خاطفة علي الجناح العسكري  والأمني كقاطاعات  لم تسلم  هي الأخري من لعب دور تشريع وتسريع وتيرة الاقصاء والتهميش ومواصلته لسيطرة فئة واحدة علي هذه القطاعات حتي توريثها لأبنائها؛  خاصة فيما يتعلق بالرتب العليا في الجيش والقيادات العسكرية والامنية ؛ ومن ثمة تكون هذه القطاعات حكرا علي فئة دون باقي الفئات الاخري وهي تعتبر  وكرا من أوكار الاحتفاظ بهذه الامتيازات التي لاوجه شرعي لها  ؛ كما أنها دولة مصغرة داخل الدولة الكبيرة ؛  ومما أثار حفيظتنا هو إشراف بعض الشخصيات السامية في الدولة لتوشيح  بعض الضباط وضباط الصف والجنود وكانوا من فئة واحدة ؛ ولم يكن من بينهم  واحد من الفئات المهمشة ؛ إن دولة تتخذ من الإسلام شعارا لها حري بها أن تكون علي مسافة واحدة من أبنائها؛ وهذا النوع من التمييز علي أساس اللون او العرق يولد نوعا من خطاب الكراهية ؛  وعامل أساسي علي تشجيعه ؛ كما يساهم في نشر ثقافة اللامساواة ؛ أليس من بين هذه الشريحة التي اضطهدت منذ نشوء الدولة الموريتانية من يحفل التوشيح ؛ إن تكريس الإقصاء والتهميش والمضي قدما فيهما ؛  والسعي المستميت لجلادي الشرائح الأخري  وتغييبهم المتعمد علي أساس الولادة لم يعد اليوم مقبولا وله انعكاسات خطيرة  علي مستقبل البلد ؛  مما سينجم  وينجر عنه ميلاد ” موريتاني _ فوبيا ) الذي كنا قد تحدثنا عنه في محاضرة سابقة 2013 ؛حيث لاتغيير لنهج الاقصائيين العنصريين خاصة في القطاعات الانفة الذكر والتي يحظي فيها  قطاع الحرس الوطني بالمرتبة الأولي في اقصاء هذه الشريحة التي خدمت  البيض وعبيد  البيض  وعبيد العبيد ؛ هذا مع القول  إن  قضية العبودية لم تكن شيئا منظما حيث نجد بالاضافة الي كون العبودية مارستها شريحة ضد أخري نجد أيضا عبيدا مارسوا  الاستعباد علي شرائح  من نفس الفئة؛ وهو مايحتم القول بأن الظاهرة عرفت نوعا من السيبة والخطف والأسر . ورجوعا القهقري إلي قطاعات الجيش والأمن  نلاحظ عدم  تغيير  هذه القطاعات من نهجها القديم / الجديد ومواصلة  ممارساتها  الإقصائية  الشوفينية اللاتقدمية ؛ والتي  لاتتماشي مع توجهات الدولة العليا التي تدعو للإنصاف والعدل دون تمييز ؛ فالزمن لم يعد يتحمل أن تظل مكونة ضاربة في القدم أخلاقا وكفاءة أن يستمر اقصاؤها ؛ خاصة أنها أصبحت  متعلمة ولديها كفاءات عالية ؛ من دكاترة ومهندسين وخبراء اقتصاديين وأساتذة ومعلمين ؛ لكن الجلاد كلما غير هؤلاء طرائقهم ؛ سواء علي صعيد التعليم أو قطاع من القطاعات الأخرى؛ وكلما أبدعوا في أي مجال ؛ كلما غير ويمم الجلاد لاختراع معايير جديدة ومعاصرة لإدامة وتشكيل أطر هذه الشريحة ؛ بل واقصاؤهم ؛  تاركا حبل المعاناة علي الغارب ؛ كي تظل هذه الشريحة العريضة من المجتمع  معطلة وتعيش نفس المأساة  ؛ حيث لاجبر لجراح اماضي الأليم  الذي  عانته وتعانيه ؛ جراح تندمل دوما بفعل التمييز علي أسس فاضحة واقصائية .

وهكذا مع بزوغ العهد الميمون ؛ عهد  اللحظة الراهنة ؛ عهد  الإجماع الوطني؛ رئيس المهمشين والمغبونين فخامة الأخ الرئيس محمد ولد الغزواني؛ الذي شكل بارقة أمل لتمكين كل الفئات من العيش الكريم والاستفادة من ثروات البلد ؛  وهو مايشكل مرحلة متجددة من التعاطي مع كل القضايا الوطنية  الكبري العالقة  ( قضايا العدالة الإجتماعية  ؛  المغارم الإنسانية  ؛ توزيع الثروة بعدالة  …إلخ  ) ؛ التي تلوح  في الأفق  للبحث عن حلول لها كي يكون هنالك  انسجام  ووئام  بين  جميع الفئات  بحيث يتبلور مفهوم العدل  الذي سيكون منصفا  للجميع ؛ لكن ذلك  يتطلب  نوعا من التأني والصبر وإتاحة الوقت ؛ ولاشك أن برنامج ” تآزر ” الذي أسسه قائد الاصلاح الوطني ؛ رجل الإجماع الوطني  سيكون استجابة واضافة نوعية تساهم في الحد من الفوارق الاجتماعية ؛ مما يكون له صدي علي محيا هذه الفئات التي عانت ردحا من الزمن ؛ وهو أيضا  ردة فعل إيجابية لتضميد جراح الماضي وكل المظالم الأخري التي عانت منها جميع الشرائح الإجتماعية ؛ وتقليم إيجابي  لأظافر أبناء شريحة ظلت نسيا منسيا ؛ كما أنها رسالة مشفرة للقطيعة مع الأحكام الماضية التي عملت علي مواصلة ومباركة وتزكية إقصاء هذه الشريحة  ؛  مما يتطلب العمل علي  دمجها في الحياة النشطة و الكريمة  ؛ بحيث  لا يبقي دورها هامشيا ؛ مما يساهم في تراجع دق جرس  ناقوس الخطر الذي يهدد كياننا في حالة ما إذا لم نتلاف الموقف لتغيير هذه الوضعية ؛ وضعية قوامها اللامبالاة واللامساواة  ؛ ومواصلة الغبن والتهميش  ؛  فليس من المنطقي أن تكون هنالك وحدة وطنية مادام السواد الأعظم من شعبنا يئن تحت نير الفقر المدقع والإقصاء الممنهج ؛ وبالتالي فلامبرر للحديث عن وحدة مآلها _ إن لم تؤسس تأسيسا حقيقيا _  هو تنظيم موكب جنائز ي لإقامة صلاة الغائب عليها إن لم تحظ هي الأخري  بوضع ضوابط صلبة ومتينة  لترسيخها ؛ ولذا فلابد من رد الإعتبار لهذه المكونة  وغبرها من المكونات الأخري وتكريمهم كشرائح آدمية كرمها الله من فوق سبع سماوات قال تعالي : ” ولقد كرمنا بني آدم ” هذه الآدميةالتي كرمها جل جلاله أليس جديرا بها العيش الكريم ؛ أليس حريا بها أن تنعم بأنعم الله  و بخيرات البلد ؛ أليس من الانصاف لها أن يدرس أبناؤها في أحسن المدارس كي يصلوا مصاف الأنسنة  ( l’humanisme ) التي قتلتها يد الاقطاعية المخضبة بالظلم الآثم  ؟ .

ذ / السيد ولد صمب انجاي

اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد

كيفة بتاريخ  :  13 / 01 / 2020


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق