كاتب: إني لأخشى أن يعيد التاريخ نفسه

نحن موريتانيا بلد مجتمعه متخلف؛ يسوده الجهل والفقر وثقافة القبلية وعلاقات التبعية والاتكالية واحتقار العمل اليدوي، ولقساوة محيطه الطبيعي ـ المحكوم بالجفاف والتصحر ـ أثر بالغ في تشكل مدنه وقراه وطرق التحصيل وسيطرة الجشع وحب الاقتناء على ذهنية وسلوك إنسانه أفرادا وجماعات.

بلد لم يستطع أهله ـ لحد الآن ـ تأسيس دولة أو نظام على أساس مدني يضمن تماسكه وولاء مواطنيه له. وبعد هزيمة القطب الشرقي وتراجع التوجه الاشتراكي، وسيطرة الغرب أو دول حلف الناتو ـ وضمن سعيها أن تحكم العالم قيمها ومعاييرها الليبرالية ـ فرضت علينا نحن الموريتانيين، ضمن الشعوب والدول المتخلفة، أن نأخذ وصفتها للديمقراطية وحقوق الإنسان في مؤتمر “لابول” عام 1990م، دفعة واحدة ودون مراعاة من نحن؟ أو خصوصياتنا الحضارية أو حاجيات ومتطلبات مجتمعنا البدوي أصلا؟ ولم نقم نحن بأي دراسة علمية تشخص واقعنا وترسم معالم مشروع مجتمعنا الديمقراطي المنظور.

فكان أن جمع الله علينا ـ كمحصلة سياسية واجتماعية ـ ما يحكم مجتمعنا من سلبيات التخلف وما تكرسه الديمقراطية الليبرالية من شكليات النظام الرأسمالي، فتحددت ملامح مجتمعنا ونظامنا السياسي، خلال العقود الماضية، وبوتيرة  متصاعدة، في الظواهر التالية:

ـ استخدام الحكام السلطة من أجل الغنى وتحصيل المال.

ـ غياب العدالة واستحكام الظلم واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء.

ـ انتشار الفساد والولاءات المزيفة كالنفاق والتملق والتماهي بالحاكم المستبد.

ـ تزايد الوعي الخصوصي والاصطفاف في أطره الضيقة.

في ظل وضع محلي هو هكذا، ووضع إقليمي وعربي أقل ما يقال عنه إنه ملتهب، وتحت ضغط وضع دولي أضحت العلاقة فيه بين الدول الغربية والدول الأخرى تمثل أبشع صور السيطرة والاستغلال؛ ما بين الاحتلال المباشر وإشعال الحروب إلى خلق وتشجيع الحركات الهدامة (حال العراق، السودان، ليبيا، سوريا، فينزويلا، داعش) نتساءل ـ كصوت من النخبة غير المسايرة لكل الأنظمة ـ ما العمل؟ وهل توجد فعلا إرادة للتغيير؟ وهل يمكن لأي عمل جدي ـ في ظل هذه الظروف ـ أن يبعد عن الثورية وتنظيف أوكار الفساد؛ سبيلا لإرساء قيم الوطنية وإقامة العدل وإرجاع الثروة الوطنية المنهوبة والمسكوت على نهبها تواطؤا منذو زمن؟

 وإن كان خطاب تعهداتي للسيد الرئيس هو ذاته نص مشروع المجتمع المنتظر أو المرتقب فهل هو مستوف وبشكل مدروس لمتطلبات المرحلة؟ وهل يمكن التعويل على كشكولنا الجديد “الاتحاد من أجل الجمهورية” كجهاز سياسي في تنفيذ ذلك المشروع أو البرنامج؟ أم أن عكس كل هذه التساؤلات أو جلها هو الأجدر بالطرح؟ إني لأشتم رائحة التجربة الماضية غير البعيدة، وأخشى أن يعيد التاريخ نفسه، إذا لم تتحقق الأمور الثلاثة التالية:

ـ أن يجدَّ القوم وتعبر إرادة التغيير، لدى ربان السفينة، عن نفسها.

ـ أن يدعى لمؤتمر وطني يناقش فيه الموريتانيون كافة أوضاع البلد؛ ليتفقوا على موقف موحد من ممارسات العشرية الأخيرة، وعلى مكونات وثوابت مشروع مجتمعهم المطلوب، ومعايير ممارسة العمل السياسي.

ـ أن تحل ـ إثر ذلك ـ كافة التنظيمات السياسية ويتم البدء في التشكل من جديد طبقا للمعايير والأسس الجديدة.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق