من الانزواء إلى حلم التدريس في الجامعة.. شابة كويتية تروي معاناتها مع “التأتأة”

ذكريات سيئة ومواقف حفرت في مخيلتها، جعلتها تحاول جاهدة كبح جماح دموع انتصرت عليها غير مرة وهي تعيد سرد حكايتها مع مشكلة التأتأة التي فاجأتها في مطلع الصبا وكانت سببا في معاناتها على مدار أكثر من عشر سنوات.

“كنت في المرحلة المتوسطة حين بدأت أواجه لأول مرة مشكلة التأتأة، وقتها كان الزملاء والمدرسون يضحكون من حالتي، مما سبب لي حزنا شديدا دفعني في الوقت ذاته إلى الانكفاء على نفسي بدلا من الاندماج مع زملائي في الفصل، أو المشاركة في الأنشطة المختلفة”.

تروي الشابة الكويتية رتاج القطان (21 عاما) للجزيرة نت بدايات حكايتها، مشيرة إلى أنها لم تخبر أحدا من أهلها خلال تلك المرحلة المبكرة من عمرها بما تعانيه، مما زاد الوضع سوءا بالنسبة لها بسبب ازدياد معدل التأتأة وما صاحبها من انطواء عن محيطها المجتمعي.

لم تقف المشكلة عند هذا الحد، إذ باتت الفتاة تتجنب الاتصال بمطاعم الوجبات الجاهزة لأن تعثرها سيكون سببا في سماع بعض الكلمات الجارحة ولو بدون قصد، كما تجنبت أمورا من قبيل الذهاب إلى أفرع البنوك أو أي جهة تستدعي التعريف بنفسها، حتى أنها كانت تتصبب عرقا حين تتخيل أن عليها مواجهة شخص لا تعرفه مسبقا.

حين انتقلت رتاج إلى المرحلة الثانوية كانت المعاناة مستمرة، لكن أصعب أيامها كانت أولاها بالطبع، فمع بداية كل عام كانت الفتاة تضع ألف حساب لأول يوم دراسي، خاصة أن كل مدرسة تدخل حصتها الأولى ستسألها عن أشياء من قبيل الاسم والهواية أو غيرهما.

الابتسامة رغم الألم
تتوقف رتاج حين تتذكر تلك الأيام قبل أن تكمل سرد بعض ذكرياتها “مع مواجهتي لمشكلات في النطق السريع، كانت بعض المدرسات يتهكمن عليّ بأني نسيت اسمي، ولم يكن أمامي إزاء هذا الموقف الذي تكرر كثيرا سوى تصنع الابتسامة رغم تألمي الشديد داخليا”.

في السابعة عشرة من عمرها وقبل أشهر من انتهاء دراستها الثانوية، قررت الفتاة إخبار والدها برغبتها في مراجعة أحد المراكز الحكومية المتخصصة في مشكلات النطق، تحسبا لقرب دخولها الجامعة وخشيتها من استمرار معاناتها التي توقعت أن تتزايد من قبل أساتذة الجامعة وفي المدرجات.

بعد عدة أشهر من التردد على المركز ومع خوفها وعجزها عن تنفيذ التدريبات العلاجية التي طلبتها الأخصائية، كان على الأخيرة أن تخبرها بأن علاج مشكلتها بيدها وحدها، وأن عليها أن تمتلك الشجاعة لمواجهة المجتمع، وهنا قررت الفتاة ألا تذهب إلى المركز مرة أخرى لفشلها في تحقيق أي تقدم إيجابي.

مع التحاقها بالجامعة، كان أول قرار اتخذته هو هجران تخصص الرسم الذي حلمت به وبتدريسه، لا لشيء إلا لأنه سيضعها مستقبلا في مواجهة مع طالبات المدرسة التي ستعمل بها. وبالفعل تقدمت بطلب للاعتذار عن دراسته ليتم تحويلها إلى دراسة التخصص الذي وضعته كرغبة ثانية في استمارة الالتحاق، وهو تكنولوجيا التعليم لكونه لا يستلزم احتكاكا كبيرا بالطلاب في مرحلة العمل.

وتتذكر رتاج -وهي تغالب دموعها- موقفا مع بدء رحلتها الجامعية، حين ذهبت ذات يوم إلى مدرس إحدى المواد وأخبرته برغبتها في تقديم شرح للمادة العلمية كباقي زميلاتها، مع طلب منحها وقتا أطول لكونها تعاني من التأتأة.

قدمت الفتاة شرحا كما تمنت، لكنها فوجئت بعد الانتهاء منه بالأستاذ يخبرها أنه لا يريد أن يناقشها فيما عرضته لأنها استغرقت وقتا طويلا.

رفض توثيق الدموع
ترفض الفتاة أن نوثق دموعها التي انسابت في تلك اللحظة قبل أن تكمل، “قال الأستاذ الجامعي كلمته تلك وهو يشير إلى عقارب ساعته، وهنا حاولت الضحك، لكنني عدت إلى مقعدي وأنا محطمة نفسيا نتيجة شعوري كم أنا ثقيلة على من حولي”.

قلل من تأثير هذا الموقف مواجهتها لنموذج آخر من أساتذة الجامعة وهو الدكتور علي بو حمد الذي شجعها كثيرا على مواجهة مخاوفها من التأتاة، حتى أنها التحقت بأحد المعاهد المتخصصة في معالجة المشكلة بتشجيع منه.

في إحدى الفعاليات التي نظمها المعهد الذي التحقت به، كان عليها أن تقدم شرحا أمام عدد كبير من الجمهور، وهنا أخبرت الفتاة أستاذها برغبتها في حضوره تلك الفعالية، ورغم وعده لها بالحضور ظنت أنها مجرد مجاملة، لكنها فوجئت به داخل القاعة، وهو ما شجعها كثيرا على الأداء بشكل أفضل لرغبتها أن يرى كيف تغيرت مقارنة بأول لقاء جمعهما في الجامعة.

“أصبحتُ أفكر بشكل صحيح، وأدركت أن جميع الناس لديهم معاناة ما، وأن الشجاعة في المواجهة”.. هكذا تلخص رتاج الدرس المستفاد من معاناتها تلك، الأمر الذي جعلها لا تكتفي بمواجهة المجتمع فحسب بل تسعى لتوعيته.

فخلال دراستها بالفرقة الثالثة كان على كل طالب يدرس مادة الفيديو التعليمي أن ينفذ مشروعا عبارة عن فيلم وثائقي إما عن نفسه أو عن أي فكرة يقترحها، فاختارت الشابة أن تصور حكايتها ومعاناتها لسنوات مع مشكلتها، لإيصال رسالة مفادها أن “من يعاني من مشكلة التأتأة إنسان مثلكم، وأن عليكم أن تختاروا كلماتكم الموجهة إليه بعناية”.

حين عرض الفيلم على رئيسة القسم في الكلية كان رأيها أن يشارك في مسابقة التصوير الخاصة بكلية التربية الأساسية، ولكن بعد تصويره مجددا بشكل أفضل، وهو ما كلل في النهاية بحصولها على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، الأمر الذي أسعدها كثيرا.

حصلت الفتاة على تقدير امتياز في السنوات الثلاث الماضية، ويفصلها عن تحقيق حلمها بالتدريس في الجامعة فصل دراسي واحد ينتهي في مايو/أيار المقبل، وبعدها ستتسلح بثقتها في نفسها لمواجهة الطلاب داخل المدرج الجامعي بعدما استفادت كثيرا من سنوات معاناتها، وهي تقول إن رسالتها للمجتمع هي “أعطونا وقتنا حين نتحدث”، ولمن يعانون مشكلتها “لا تخافوا، وتحدثوا بثقة، فالجميع لديهم مشكلة ما”.

رحلة يصفها والد رتاج للجزيرة نت بأنها شكلت معاناة كبيرة للأسرة، لكنها أزمة مضت بفضل تفهم أستاذ لها يشعر الوالد بأن له جميلا يصعب رده، وكذلك بفضل شجاعة ابنته وقدرتها على المواجهة.

المصدر : الجزيرة


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق