مبدع كبير.. وأكثر من شمس: 25 عاما على رحيل جبرا

حين وصلتُ بغداد لأول مرة في مطلع الثمانينيات، كانت الفكرة الأكثر إلحاحًا عليَّ هي رؤية جبرا إبراهيم جبرا، وحين سألت عن المكان الذي يمكن أن أجده فيه، قيل لي: من الممكن أن نتصل به الآن، لكن الشيء المؤكد أننا سنراه مساء في حفل افتتاح المعرض الجماعي لعدد من الفنانين التشكيليين العراقيين.

في المساء كان هناك، يتجوّل بين الأعمال، يعايشها، يقف طويلا أمام لوحة، يبتعد عنها إلى أخرى، وعينه لم تزل على الأولى يسترق النظر إليها بين حين وآخر، لكنه لا يلبث أن يتوقف أمام لوحة جديدة تُسمِّره أمامها، كما لو أنها أنستْه كل ما رأى.

لم يكن من الصعب على المرء أن يدرك أن جبرا يعايش اللوحة ككائن حي تماما، يدرك حاجته إليها كإنسان، كاتب، فنان، ويدرك حاجتها لهذا الحب الذي يبديه نحوها، هذا الحب الذي يستطيع وحده أن يبثّ فيها الحياة اللازمة لكي تتجاوز إطارها خارجة منه وعليه.

في الطريق إلى بيته – وقد كان يبدي الكثير من المحبة للكتاب والفنانين، بحيث كان بيته الهادئ في حي المنصور يحتضنهم جميعًا- تحدثنا عن علاقة الكاتب بالرسم، بالفنون، وأبدى استغرابه من هذه القطيعة بين الكتاب العرب وأشكال الإبداع الأخرى، حين يقصر الشاعر علاقة قصيدته بالشعر وحده، ولا ييسر لها سبل الوصول إلى كلِّ ما يغنيها، ويعزّز حياتها الداخلية، وأفقها بالانفتاح على هذا العالم الجميل.

يتحدّث جبرا عن الفن كما يتحدث عن شخص قريب، شخص لا يمكن للحياة أن تكون حياة من دونه، وفي حديثه حيوية المُحبِّ ولهفته واندفاعه.

والآن، بعد مرور ذلك الزمن أستطيع القول: كان سرُّ تفتّح جبرا الدائم وحيويته وهذه الروح المتوثبة التي ظلت تفيض عن حدود جسده، يرجع إلى ذلك الغنى في داخله، الغنى بكل جمال وجميل، لقد كان دليلا غير عادي على أن انفتاح المرء على الفنون جزء أساس من صبا روحه الدائم.

قد لا نستطيع الآن أن نتحدث عن الطريقة التي كان يأوي فيها جبرا لأوراقه كي يكتب قصيدته، أو روايته، أو يرسم فيها لوحته، فتلك المسافة ما بين العمل الإبداعي وصاحبه هي منطقة خاصة، وأكثر خصوصية من أن يدركها أحد سوى الفنان ذاته، لكن حب جبرا للفنون التشكيلية كان معروفا ومعلنا، إلى ذلك الحدّ الذي غدا هذا الحب شكلا من أشكال الإبداع، وهذا هو المدى الأكثر جمالا للذهاب في الحياة إلى أقصاها.

عام 1948 وصل بغداد، ويبدو أن الطاقة العظيمة في داخله، الباحثة عن مَخرج، لم تترك له مجالا للإقامة طويلا داخل بيته، أو داخل جسده، إذ، وبصورة غير عادية دفعته للخروج للقاء المدينة الجديدة، ومعايشتها، ولا شك أن انخراطه السريع في الحياة الثقافية البغدادية في ذلك الوقت أمر يثير الإعجاب والدهشة معا، ويجعلنا نتساءل فعلا عن سرِّ ذلك التّوق العظيم للتغيير. واليوم ونحن على مسافة بعيدة من ذلك التاريخ، حين نتأمل سيرة جبرا، نلاحظ أن كل لحظة من لحظات حياته، كما قرأناها في كتبه، وكما عايشناها، كانت لحظة اندفاع.

في عام 1949 يكتب عن (الذروة في الأدب والفن) ويتتبع فكرة الذروة وجوهر معناها في الرواية، الموسيقى، القصيدة، القصة القصيرة، المسرحية، واللوحة؛ ويبدو واضحًا بصورة باهرة ذلك الانفتاح المبكر  لابن الثامنة والعشرين على هذه الفنون كلها، وبهذا العمق الذي أدركه الكتاب والفنانون العراقيون، وأثار إعجابهم. يقول الفنان التشكيلي شاكر حسن آل سعيد في كتاب “القلق وتمجيد الحياة، 1995”:  (وأصبحنا نحن الشباب الخمسيني المثقف وقتئذ نجد فيه (جبرا) مصدرًا من مصادر الإشعاع الثقافي الذي لم يألفه المثقفون من ذي قبل، وقد عرفنا أيضا أنه كان من خلال ثقافته العميقة الجذور، وفكره النير، يرسم صورة مثالية عليا لطلابه أيضا.)

كان جبرا يدرك جيدًا ما لديه، ولعل في هذا إجابة على تساؤلنا عن تلك الطاقة التي دفعته للخروج نحو المدينة بتلك السرعة، كما لو أنه لم يترك لنفسه فرصة إخراج ملابسه من حقيبته ووضعها حيث يجب أن تكون. وقد أدرك الوسط الفنيّ الثقافي ما لدى جبرا على الفور: يقول الشاعر والناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف: (لقد جرَّ جبرا خيط حريته وراءه من القدس إلى بغداد إلى بيروت، ولقد فعل هذا الخيط في حياتنا الثقافية ما يمكن أن يفعله مصباح مضيء وسط عتمة دامسة. لقد التمَّ المبدعون ممن كانت مواهبهم في انتظار المعجزة حوله مثلما تفعل الفراشات، فكان أن وجَدت نوايا التجديد في الشعر والرسم من يقودها في الاتجاه الصحيح… ومثلما شهدت له الخمسينيات أنه قد أحدث تحولا كبيرا في نظرة الفنانين إلى الحياة ونظرة المجتمع إلى الفن، فإن الستينيات تشهد له أن رعى الانقلاب الرؤيوي الكبير الذي عاشته تلك السنوات.)

ولعل الملاحظة الأولى أن همَّ جبرا في تلك الفترة كان مُنصبًّا على التحريض لتجاوز قواعد الماضي، بالذهاب إلى أفق المستقبل بما يعنيه من تجاوز، ولذا كان عليه أن يبدأ من النظري، الذي سيجد نفسه بعد حين مندفعا لمجاورته بالنقد التطبيقي، حين بدأت بذور التجديد تتفتح في أعمال الفنانين حوله. ولعلنا نستطيع أن نلمح بوضوح، كيف أن إحساسه بالمسؤولية دفعه للكتابة عن كل! ما بدأ يتحقق فعليًّا على أرض الواقع من أعمال فنية لأصدقائه، فبذرة التجديد التي تفتحت كان يلزمها رعاية تامة كي تصبح تلك الشجرة العالية التي راحت تكبر وتكبر..

لكن حقيقة الأمر تلزمنا أن نقول إن الحياة الثقافية العراقية كانت في صلب عملية البحث عن أفق جديد للفن والأدب، وبعض تجليات هذا البحث قد سبقت وصول جبرا بقليل، وبعضها رافقته، وبغير هذا الوعي لا يمكن أن يحدث التغيير، أو يُقْبَل، أو يُحتفى بمن يدعو له.

إبداع جبرا الأدبي يستحق الكثير أيضا، لكن هذا الحيّز لا يكفي.

 في شهر كانون الأول، ديسمبر من عام 1994، كنت أنتظر جبرا في عمّان، لنذهب معًا إلى مؤتمر أدبي في تونس، وصل الصديق ماجد السامرائي، يحمل الخبر المُقلق، جبرا مريض للغاية، لكن أخبار رحيله لحقتنا إلى هناك.

مبدع كبير، إنسان رائع، مثقف وله أكثر من شمس.

بقلم: إبراهيم نصر الله


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق